الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦١26
مَا مَسَّهُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى النَّقْضَ بِمَسِّ الذَّكَرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَرَّقَ بَيْنَ أَحْوَالِ مَسَّهِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا أَيْضًا فِيمَنْ مَسَّ فَرْجَهُ خَطَأَ أَوْ نِسْيَانًا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى خُرُوجِ الرِّيحِ وَدَمِ الاسْتِحَاضَةِ، فَهُمَا يَجِبُ بِهِمَا الْوُضُوءُ، كَانَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارٍ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ. وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا أَيْضًا إِلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ بِمَسِّ الذَّكَرِ فِي حَالِ الصَّلَاةِ إِذَا شَكٍّ فِي الْحَدَثِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا إِنْ مَسَّ الذَّكَرَ بِغَيْرِ الْيَدِ فَلَا نَقْضَ عَلَيْهِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمُ التَّوَضُوَ مِنْهُ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ مُسْلِمًا الله كَانَ يَتَّخِذُ جَوَارِبَ يَتَّقِي بِهَا فَرْجَهُ عَنْ مَوَاضِعِ وُضُوئِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ حَيَّانَ الْأَعْرَجَ اه (2) فَقَالَ: "قَدْ أَشْقَانَا اللهُ إِذًا فِي دِينِنَا، تَعْظِيمًا لِفِعْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ (3)، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ مَسَّ عَجْمَ الذَّنَبِ وُضُوءٌ، وَلَا عَلَى مَنْ مَسَّ مَوْضِعَ الاسْتِحْدَادِ وُضُوءٌ (4)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) وَحُجَّتُهُ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِي عَنْ رَجُلٍ يَمَسُّ ذَكَرَهُ، هَلْ عَلَيْهِ الْوُضُوهُ؟ قَالَ: "وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْكَ أَوْ بَضْعَةٌ مِنْكَ" [رواه النسائي: السنن الكبرى، الرخصة في ترك الوضوء من م
الذكر، ر 160].
مس
(2) حَيَّانُ الْأَعْرَجُ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الأَوَّلِ، وَكَانَ كَمَا قَالَ الشَّماخِيُّ مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ وَمِنْ أَهْلِ التَّقْوَى وَالدِّينِ، وَمِنْ أَكْبَرِ مَنْ صَحِبَ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ وَأَخَذَ عَنْهُ، فَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمٍ سِنَّا، وَكَانَ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ نَهَاءَ عَنِ الْمُنْكَرِ، مِمَّنْ يَمِيلُ فِي فَتْوَاهُ إِلَى النَّبْسِيرِ، وَيُنْكِرُ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ تَشَدُّدَهُ، وَكَثِيرًا مَا يَقُولُ: "لَقَدْ أَشْفَانَا اللهُ فِي دِينِنَا إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ أَبُو عُبَيْدَةَ" [السير، 89/ 1]، أَمَّا تَارِيخُ وَفَاتِهِ بِالضَّبْطِ فَلَمْ أَعْتُرُ عَلَيْهِ رَغْمَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ، رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. اهـ مُصَححه.
(3) [انظر الكندي: المصنف، 144/ 4]. (4) [رَوَاهُ الربيع، باب ما يجب منه الوضوء، ر 112].