الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣قواعد الإست
وَأَمَّا الاسْتِمَاعُ: فَكَالاسْتِمَاعِ إِلَى الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، إِذْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ شَرِيكُ الْقَائِلِ، وَكَالاسْتِمَاعِ إِلَى اللَّهْوِ وَالْمَزَامِيرِ وَالْغِنَاءِ وَالنَّوَاحِ وَأَسْرَارِ النَّاسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا النَّظَرُ: فَكَالنَّظَرِ إِلَى عَوْرَاتِ الآدَمِيِّينَ عَمْدًا، غَيْرِ نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، وَكَالنَّظَرِ إِلَى حُرْمَةٍ فِي مَنْزِلِ قَوْمٍ، أَوْ فِي سِرِّ كِتَابٍ غَيْرِ مُبَاحٍ، وَا أَعْلَمُ. وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الفضل الأخِيرِ، إِلا فِي الارْتِدَادِ إِلَى الشِّرْكِ خَاصَّةٌ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِهِ أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللهُ، كَمَا أَنَّهُمْ قَدِ انْفَرَدُوا بِنَقْضِ الْوُضُوءِ فِي الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، لِحَدِيثِ أَبِي الْعَالِيَة (2) دُونَ مُخَالِفِيهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الصَّلاةَ" اهـ.
(2)
(1) [من ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الغناء والاستماع إلى الغناء، وعن الغيبة والاستماع إلى الغيبة، وعن النميمة والاستماع إلى النميمة" (رواه الهندي: كنز العمال، (40662)]. (2) قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِئ [48/ 3]: "وَلَأَنَّ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا أَرْبَعَةٌ مُرْسَلَةٌ وَسَبْعَةٌ مُسْنَدَةٌ، فَأَوَّلُ الْمَرَاسِيلِ حَدِيثُ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِي، رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ قَتَادَةَ عَن أَبِي الْعَالِيَةِ، وَهُوَ عَدْلٌ ثِقَةٌ: "أَنَّ أَعْمَى تَرَدَّى فِي بِثْرِ وَالنَّبِيُّ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، فَضَحِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ، فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ضَحِكَ مِنْهُمْ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَيُعِيدَ [رواه الدارقطني، باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها، (2]. وأَبُو الْعَالِيَةِ اسْمُهُ رفيعُ بْنُ مِهْرَانَ الرِّيَاحِيُّ الْبَصْرِيُّ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَأَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ بِسَنَتَيْنِ، وَدَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَصَلَّى خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَوَثَقَهُ يَحْيَى وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَغَالِبُ تِلْكَ الأَحَادِيثِ تَنصُّ عَلَى أَنَّ الضَّحِكَ كَانَ قَهْقَهَةً أَوْ قَرْقَرَةٌ، وَبَعْضُهَا الْآخَرُ بِلَفْظِ الضَّحِكِ وَبِزِيَادَةِ "أَنَّهُ يَنْقُضُ الصَّلاةَ وَلاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْبَابِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلاَةِ أَعَادَ الصَّلاَةَ وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَاللَّيْتُ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ والصَّلَاةَ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الضَّحِكَ يُبْطِلُ الصَّلاَةَ، وَلاَ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ، وَالْقَهْقَهَةُ تُبْطِلُهَا مِمَّا يَكُونُ مَسْمُوعًا لِجِيرَانِهِ، وَالتَّبَسُّمُ مَا لَا صَوْتَ فِيهِ.