الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥الْقِسْمُ الأَوَّلُ
فِي حَدٌ الْعَوْرَةِ وَحُكْمِ سَتْرِهَا
اجْتَمَعَتِ الأُمَّهُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ بِإِطْلَاقِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ: هَلْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ فِي صِحَتِهَا أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّهَا شَرْطُ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا مِنْ سُنَنِ الصَّلاةِ، رُوِيَ هَذَا عَنْ مَذْهَبِ مَالِكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَبَبُ التَّنازُع: هَلِ الأَمْرُ الْوَارِدُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ (1) يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ، وَقَالُوا: لأَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَهْل الشِّرْكِ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَمَنْ حَمَلَ الأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِ الزِّينَةُ
الظَّاهِرَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا حَدُّ الْعَوْرَةِ فَإِنَّ الْمُكَلِّفِينَ فِي ذَلِكَ صِنْفَانِ رِجَالٌ وَنِسَاءُ، وَالنِّسَاءُ قِسْمَانِ: حَرَائِرُ وَإِمَاءُ، أَمَّا الصِّنْفُ الأَوَّلُ فَقَدِ اجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السَّوْأَتَيْنِ مِنْهُمْ عَوْرَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أحدها: أَنَّ الْعَوْرَةَ مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَبِي الْمُؤَفِّرِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ كَشْفَ الرُّكْبَةِ وَالسُّرَّةِ وَنَظِيرَهُمَا مُحَرَّمٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَرُوِيَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِنَا (2) أَنَّ الْمُحَرَّمَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ حَدٌ مَنَابِتِ الشَّعْرِ إِلَى مُسْتَغْلَظِ
الْفَخِذَيْنِ.
(1) الأعراف: 31. (2) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.