قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤٣

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: فِي الْمَعْنَى الْمُعَيَّنِ عَلَى الْمُكَلَّفِ اسْتِقْبَالُهُ مَا هُوَ؟ وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ لِلْبَيْتِ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَعُدَ عَنْهُ، فَقِيلَ: الْفَرْضُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ، أَعْنِي إِذَا كَانَتِ الْكَعْبَةُ غَيْرَ مُبْصَرَةٍ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّمَا الْفَرْضُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ عِنْدَ تَعَذَّرِ الْمُعَايَنَةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَضّدُهُ الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ.

(1)

أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، أَيْ: نَحْوَهُ، وَمَنْ قَابَلَ جِهَةَ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ يُقَالُ: قَدْ وَلَّى وَجْهَهُ شَطْرَهَا.

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لَأَهْلِ الْمَدِينَةِ: "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ (2)، وَالْمَغْرِبُ يَقَعُ عَلَى يَمِينِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ عَلَى يَسَارِهِمْ، فَجَعَلَ الله جَمِيعَ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ، وَمِسَاحَةُ الْكَعْبَةِ لَا تَفِي مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا تَفِي بِذَلِكَ جِهَتُهَا.

وَأَمَّا فِعْلُ الصَّحَابَةِ فَمَا رُوِيَ أَنَّ أَهْلَ مَسْجِدِ قِبَاء كَانُوا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ مُسْتَقْبِلِينَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرِينَ لِلْكَعْبَةِ - لأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بَيْنَهُمَا – فَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَاسْتَدَارُوا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ دَلَالَةٍ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ، فَسُمِّيَ مَسْجِدُهُمْ ذَا الْقِبْلَتَيْنِ (3)

(1) الْبَقَرَة: 144.

(3)

(2) [رواه الترمذي، باب ما جاء ما بين المشرق والمغرب قبلة، ر 342].

(3) [رواه الربيع، باب استقبال الكعبة وبيت المقدس، ر 207].