الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٤٤قواعد الإسلام
وَمُقَابَلَةُ الْعَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا تُعْرَفُ إِلا بِأَدِلَّةٍ هَنْدَسِيَّةٍ يَطُولُ النَّظَرُ فِيهَا، كَيْفَ أَدْرَكُوا ذَلِكَ عَلَى الْبَدِيهَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ؟ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ أَهْلَ الإِسْلَام بَنوُا الْمَسَاجِدَ حَوَالَيْ مَكَّةَ وَفِي بِلَادِ الإِسْلَامِ وَلَمْ يُحْضِرُوا فِيمَا بَلَغَنَا قَطُّ مُهَنْدِسًا عِنْدَ تَسْوِيَةِ الْمَحَارِيبِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَهُوَ أَنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ إِلَى الاسْتِقْبَالِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي جَمِيع أَقْطَارِ الأَرْضِ، وَلَا يُمْكِنُ مُقَابَلَةُ الْعَيْنِ إِلا بِعُلُومِ هَنْدَسِيَّةٍ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِالنَّصَّ فِيهَا، بَلْ رُبَّمَا زَجَرَ عَنِ التَّعَمُّقِ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ الْفَرْضُ مُقَابَلَةَ الْعَيْنِ لَكَانَ حَرَجًا، والله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج، فَيَجِبُ الاكْتِفَاءُ بِالْجِهَةِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتَلَفُوا هَل الْفَرْضُ فِي الاسْتِقْبَالِ الاجْتِهَادُ أَوِ الإِصَابَةُ؟ فَقَوْلَانِ: فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِ الاجْتِهَادُ، وَإِلَيْهِ يَؤُولُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا فِي قِيَاسِ أُصُولِهِمْ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْفَرْضَ الإِصَابَةُ، وَأَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ أَعَادَ أَبَدًا، فَقَاسَ جِهَةَ الْمَكَانِ عَلَى جِهَةِ الزَّمَانِ، أَعْنَى الْوَقْتَ الْمَوْضُوعَ لِلصَّلاةِ، وَكَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِ فِيهِ الإِصَابَةُ، وَأَنَّهُ إِذَا انْكَشَفَ لِلْمُكَلَّفِ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ أَعَادَ أَبَدًا، إِلا خِلافًا شَاذًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا جَهِلَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ أَنَّهُ قَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُ، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ الاجْتِهَادُ، فَإِنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ وَصَلَّى بِالتَّحَرِّي إِلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فَإِنَّهُ لاَ يُعِيدُ صَلَاتَهُ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ مِثْلُ ذَلِكَ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجُوا فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْهُمُ الصَّلَاةُ فِي يَوْمٍ غَائِمٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى نَحْوَ الْمَغْرِبِ، فَسَأَلُوا
(1) الْحَج: 78.