الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٤٩الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فِي حُكْمِ الْقَصْرِ: وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، أحدها: أَنَّ الْقَصْرَ فَرْضٌ لِلْمُسَافِرِ الْمُتَعَبِّدِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْكُوفِيُّونَ بِأَسْرِهِمْ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالإِثْمَامِ كَالتَّخْيِيرِ فِي وَاجِبِ الْكَفَّارَاتِ، وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْقَصْرَ رُحْصَةٌ، وَأَنَّ
الإِثْمَامَ أَفْضَلُ.
6
(1) ،
وَسَبَبُ التَّنَازُع: تَعَارُضُ الْعِلَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِلآثَارِ النَّقْلِيَةِ، وَمُعَارَضَةُ الدَّلِيل الْفِعْلِيُّ لِلْمَعْنَى النَّقَلِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ إِنَّمَا هُوَ الرُّحْصَةُ لِمَوْضِعِ الْمَشَقَّةِ، كَمَا رَخَّصَ لَهُ فِي الْفِطْرِ وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا حَدِيثُ النَّبِيِّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "هِيَ صَدَقَةٌ مِنَ اللَّهِ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ (1)، فَمَنْهُومُ هَذَا هِيَ الرُّحْصَةُ، وَأَمَّا الأثرُ النَّقْلِيُّ الْمُعَارِضُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَانِ ثُمَّ زِيدَتْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" [رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، (686]. وَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَصَلَاةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا نَجِدُ صَلاةَ السَّفَرِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ اللهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا الله مَا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ مَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ" [رواه الربيع، باب في فرض الصلاة في الحضر والسفر، ر 187]، مِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" [رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة … ، ر 605]، وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ قَوْمًا يُسَبِّحُونَ يُصَلُّونَ فِي السَّفَرِ تَطَوُّعًا" بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لأَتْمَمْتُ صَلَاتِي، يَا ابْنَ أَخِي، صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ اللهُ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى، وَصَحبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَذَكَرَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَقَالَ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: (21) [رواه مسلم، باب صلاة المسافرين وقصرها، ر 1611]. اهـ مُصححه. (1) [سبق تخريجه].