قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٥٢

قواعد الإسـ

351

فَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ (1). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَيِّ أَنْوَاعِ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى السَّفَرِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَأَشْبَاءِ ذَلِكَ، وَاحْتَجُوا بِأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْصُرِ الصَّلَاةَ قَطُّ إِلَّا فِي سَفَرٍ مُتَقَرِّبٍ بِهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ إِنَّمَا هُوَ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحَ دُونَ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ الأَلْبَقُ بِأُصُولِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكِ وَالشَّافِعِي، وَبَعْضُهُمْ أَجَازُوهُ

فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحًا كَانَ أَوْ مَعْصِيَةٌ، وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَسَبَبُ التَّنازُع: تَعَارُضُ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ وَظَاهِرِ اللَّفْظِ بِدَلِيل الْفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اعْتَبَرَ الْمَشَقَّةَ وَظَاهِرَ لَفْظِ السَّفَرِ لَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ سَفَرٍ وَسَفَرٍ، وَمَنِ اعْتَبَرَ فِعْلَ الرَّسُولِ لَمْ يُجِزِ الْقَصْرَ إِلا فِي السَّفَرِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْمَعْصِيَةِ فَعَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ: هَلْ تَجُوزُ الرُّحْصَةُ لِلْعُصَاةِ أَمْ لاَ؟ وَاللهُ أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَبْدَأُ مِنْهُ الْمُسَافِرُ فِي تَقْصِيرِ الصَّلاةِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَنْوِي سَفَرًا نَائِيَا فَإِنَّهُ يَقْصُرُ مِنْ حِينِ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ، وَخَيَّرَهُ بَعْضُهُمْ فِيمَا دُونَ الْفَرْسَخَيْنِ بَيْنَ الْفِطْرِ وَالإِثْمَامِ، وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْقَصْرَ إِذَا جَاوَزَ الْفَرْسَخَيْنِ، بِخِلاَفِ الْفِطْرِ فِي الصَّوْمِ، قَالُوا: لأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ رُحْصَةٌ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَبُولِهَا وَرَدَّهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَصْرُ الصَّلَاةِ؛ لأَنَّهُ أَمْرُ لأَزِمٌ لا تَصِحُ صَلاةُ الْمُسَافِرِ إِلا بِالقَصْرِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ أَبَدًا، قَالُوا: وَأَمَّا إِنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ حَاجَةٍ فِيمَا فَوْقَ الْفَرْسَخَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْفَرْسَخَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْمُرِيدَ لِلسَّفَرِ

(1) [رواه أبو داود، كتاب الصوم، باب اختيار الفطر، ر 2408].