الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٧٧وَاخْتَلَفُوا فِي السُّجُودِ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ، فَأَجَازَهُ بَعْضُ، وَمَنَعَ مِنْهُ آخَرُونَ وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى طَاقَاتٍ (1) يَسِيرَةٍ مِنَ الْعِمَامَةِ أَوْ كَثِيرَةٍ، وَبَيْنَ أَنْ تَمَسَّ الْأَرْضُ جَبْهَتَهُ أَوْ لَا تَمَسَّ، واخْتَلَفُوا فِي الاعْتِدَالِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الرُّكُوعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فصل] مَسْأَلَةٌ فِي الْجُلُوسِ: وَهُوَ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ؛ لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْعُدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، فَإِذَا جَلَسَ وَضَعَ ظَاهِرَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى فِي أَخْمَصِ الْيُسْرَى، وَظَاهِرَ الْيُسْرَى مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، وَقَدْ أَجَازُوا هَيْئَاتِ الْقُعُودِ كُلَّهَا، إِلَّا قُعُودَ الْحَبَشَةِ وَتَرْبِيعَ الْمُلُوكِ، وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الإِفْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ فِيمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ بِإِلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي التَّشَهُدِ، وَقِيلَ: أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ عَلَى إِلْيَتَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْلَ إِفْعَاءِ الْكَلْبِ، وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ الإِفْعَاءَ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ إِلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَأَنْ يَجْلِسَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الإِفْعَاءُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ عَلَى هَذِهِ الصَّفَةِ هُوَ سُنَّةٌ نَبِيِّكُمْ (3). وَعَقِبُ الشَّيْطَانِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ هُوَ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ بِإِلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ فِي الصَّلاَةِ، وَمَا سِوَى هَذَا مِنْ هَيْئَاتِ الْقُعُودِ لَا يُفْسِدُ الصَّلاةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) [الطاقات مفرده، طاقة إذا كان القماش ملتفا بعضه على بعض، يقال: طاقة القماش].
(2) تربيع الملك: "وَهُوَ وَضْعُ الآليتين وَبَعْضِ الْفَحْذَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ وَالْبَعْضِ الْآخَرِ مَعَ الرُّكْبَتَيْنِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ" (شرح النيل، 2/ 184)]. (3) الإفْعَاء إِفْعَاآنِ، الأَوَّلُ: أَنْ يَفْرِضَ قَدَمَيْهِ وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْل الْحَدِيثِ، فَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُوسَ يَقُولُ: "قُلْنَا لابْن عَبَّاس فِي الإِفْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، قَالَ فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاء بِالرَّجُل، فَقَالَ: هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ [رواه مسلم، باب جواز الإقعاء على العقبين، (1226]. وَالإِقْعَاةَ الثَّانِي: بِمَعْنَى وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ وَنَصْبِ الْفَخِذَيْنِ، فَهَذَا مَكْرُوهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَانِي النَّبِيُّ عَنْ ثَلاثَةِ: عَنْ نَفْرَةٍ كَنَقْرِ الدِّيكِ، وَإِفْعَاءِ كَإِفْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ" [رواه الربيع، بَاب فِي الْقُعُود فِي الصَّلَاةِ وَالتَّحِيَّاتِ، ر 238].