الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٢قواء
عَاقِلِ عِنْدَ بُلُوغِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلاَ يَخْرُجُ مِنَ الشِّرْكِ مَا لَمْ يَأْتِ بِهَا مَعْرِفَةٌ وَاعْتِقَادًا وَلَفْظًا وَإِقْرَارًا، وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ.
(1)
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَرْضِهَا [من القرآن] قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {فَا مِنُوا بِالوَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنا واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، وَمِنَ السُّنَّةِ: مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيُّ أَنَّهُ قَالَ: "لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّهُ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْقَدَر " (2)، وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ هِيَ الَّتِي يَدْعُو إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ وَكُلٌّ نَبِيِّ مُرْسَلِ، وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ بالغ، وَهِيَ الْجُمْلَةُ الَّتِي انْتَظَمَتِ التَّوْحِيدَ وَغَيْرَ التَّوْحِيدِ، فَإِذَا أَتَى الْعَبْدُ بِهَذِهِ الْجُمَل الثَّلَاثِ نُطْقًا وَاعْتِقَادًا فَقَدْ تَمَّ إِيمَانُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، وَحَقَنَ بِهَا دَمَهُ وَمَالَهُ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ السَّبْيِ وَالْفَسَادِ، وَجَرَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَحْكَامُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَصَارَ مَوْسُومًا بِالدُّخُولِ فِي الْمِلَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّ إِيمَانَهُ قَدْ تَمَّ بِالْكُلَّيَّةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِرِ الْبَرِيَّةِ، مَا لَمْ يُسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ وَظَائِفِ الْجُمْلَةِ الَّتِي أَنَا ذَاكِرُهَا، فَيُنْكِرَهُ أَوْ يَخْتَجِلَهُ الشَّكُ فِيهِ فَضْلاً عَنْ إِنْكَارِهِ؛ لأَنَّ تَصْدِيقَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مُشْتَمِلٌ عَلَى وَطَائِفِ التَّوْحِيدِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُلُومِ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ إِيمَانَهُ لا يَتِمُّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ حَتَّى يَأْتِي بِوَطَائِفِ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَجِيءُ مُقَسَّمَةً إِنْ شَاءَ اللهُ بِالْكَمَالِ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: مَنْ آمَنَ بِمَا فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ آمَنَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَمْرُوسِ
(1) التَّغابن: 8. (2) [رواه الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء في أن الإيمان بالقدر خيره وشره، ر 2232، وابن ماجه المقدمة، باب في القدر، ر 81].