الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣(1)
فتح) وَابْنِ زَرقُون (3) وَالإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتُمَ) وَأَبِي خزر
(1) الإِمَامُ عَمْرُوسُ بْنُ فَتْحِ الْمَسَاكِنِيُّ النَّفُوسِيُّ إِمَامُ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَكَهْفٌ مِنْ كُهُوفِ الْعِلْمِ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهَجْرِيِّ، كَانَ مِنَ الْمَوَالِيدِ الْمَيَامِينِ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي طَرِيقِ الْحَجِّ قَالَ الشَّيْخُ السَّالِمِيُّ فِي اللُّمْعَةِ الْمَرْضِيَّةِ مِنْ أَشِعَةِ الإِبَاضِيَّةِ: وكَانَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ يَحُجُونَ بِالذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ حَتَّى وُلِدَ لَهُمْ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ ثَلاثُمِائَةِ مَوْلُودٍ مِنْهُمْ عَمْرُوسُ بْنُ فَتْح". اهـ[11/ 1]. وَلَعَلَّ الَّذِينَ لَهُمْ أَزْوَاجٌ حَوَامِلُ اسْتَصْحَبُوهُنَّ عَمْدًا لِيَلِدْنَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ أَوْ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُقَدَّسَةِ تَبَرُّعًا، وَلَمْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ صُدْفَةٌ، نَشَأْ فِي قَرْيَةِ (قطرس) مِنْ أَرْضِ الرُّحَيْبَاتِ جَبَلِ نفُوسَةً)، وَوَقَفَ حَيَاتَهُ عَلَى الْعِلْمِ تَحْصِيلاً وَتَأْلِيفًا وَتَدْرِيسًا وَقَضَاءُ، فَتَرِكَ لَنَا كُتُبا قَيِّمَةً مِنْهَا: الْعَمْرُوسِيُّ، وَإِعْلامُ الْمِلَّةِ، وَكِتَابُ الْحِكَمِ وَالْمَعَارِفِ، وكِتَابُ الدَّيْنُونَةِ، تَوَلَّى الْقَضَاءَ لَأَبِي مَنْصُورٍ إِلْيَاسِ حَاكِمِ جَبَلٍ نفُوسَةَ، فَكَانَ مِثَالَا لِلْقَاضِي الْعَادِلِ الْجَرِي فِي أَحْكَامِهِ، الْخَبِيرِ فِي حَلٌّ مَشَاكِلِ الْقَضَاءِ وَقَضَايَاهُ الْعَوِيصَةِ، عَاصَرَ الإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ مَحْبُوبِ عَالِمَ الشَّرْقِ فِي وَقَتِهِ، وَحَضَرَ مَجْلِسَهُ، فَسَأَلَهُ عَمْرُوسٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَكْنُونَاتِ الْعِلْمِ، فَتَعَجَّبَ ابْنُ مَحْبُوبِ، وَكَانَ لا يَعْرِفُهُ إِلَّا سَمَاعًا، فَقَالَ: "إِنْ كَانَ أَبُو حَفْصٍ - يَعْنِي عَمْرُوسًا - فِي هَذَا الْبَلَدِ فَهَذَا السُّؤَالُ مِنْهُ، فَأَخَبَرَهُ الْحَاضِرُونَ بِالْحَقِيقَةِ، فَزَادَ في تَعْظِيمِهِ وَرَفْعِ مَقَامِهِ، وَعَاصَرَ الْفَقِيةَ الْمُحَدِّثَ أَبَا غَانِمٍ بِشِرَ بْنَ غَانِمِ الْخُرَسَانِيَّ - صَاحِبَ الْمُدَوَّنَةِ - الَّذِي رَوَى عَنْهُ الإِمَامُ أَفْلَحَ اجْتَمَعَ بِهِ لَمَّا حَمَلَ إِلَى الإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ مُدَوَّنَتَهُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا، وَكَانَ قَدْ أَوْدَعَ نُسْخَةٌ مِنْهَا عِنْدَ عَمْرُوسٍ، فَاجْتَهَدَ فِي نَسْخِهَا مُسْتَعِينًا بِأُخْتِهِ، فَمَا عَادَ مِنْ تِيهَرْتَ حَتَّى كَانَ عَمْرُوسٌ قَدْ أَتَمَّ نَسْخَهَا، فَلَمَّا تُصَفَّحَهَا أَبُو غَانِمٍ وَجَدَ نُقْطَةٌ حَبْرٍ، فَعَلِمَ أَنَّهُ نَقَلَهَا، فَقَالَ لَهُ: "قَدْ سَرَقْتَهَا يَا عَمْرُوسُ، فَقَالَ عَمْرُوسٌ: "سَمَّانِي سَارِقَ الْعِلْمِ". وَلَوْلاً نُسْخَةُ عَمْرُوسِ لَحُرِمَ الْمَغْرِبُ هَذَا التُّرَاثَ الْعِلْمِي الَّذِي انْتَفَعَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ؛ لأَنَّ نُسْخَةَ الْإِمَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ذَهَبَتْ طُعْمَةً لِلنَّيرَانِ لَمَّا أُخْرِقَتِ الْمَعْصُومَةُ) - مَكْتَبَةُ تِيهَرْتَ الْعَظِيمَةِ -، وَقَدْ رَأَيْتُ نُسْخَةٌ مِنْهَا فِي خِزَانَةِ الْقُطْبِ أَطْفَيَّشَ الَّذِي رَتَّبَهَا وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهَا اسْتِدْرَاكَاتٍ ذَاتَ بَالٍ
زَادَتْ مِنْ قِيمَتِهَا الْعِلْمِيَّةِ، وَمَاتَ لَهُ فِي وَقْعَةِ مَانُو بَيْنَ نفُوسَةَ وَابْنِ الْأَغْلَبِ سَنَةَ 282 اهـ. (2) هُوَ الرَّبِيعُ سُلَيْمَانُ بْنُ زَرْقُونَ أَحَدُ أَقْطَابِ الْعِلْمِ بنفُوسَةَ مِنْ قَرْيَةِ (تادْيُوت) وَمِنْ عُلَمَاءِ النَّصْفِ الثَّانِي لِلْقَرْنِ الرَّابِعِ، أَخَذَ الْعِلْمَ - هُوَ وَالأَمِيرُ أَبو يَزِيدَ مَخْلَدُ بْنُ كَيدَادِ الْيَفِرَنِيُّ الْمُلَقَّبُ بِصَاحِبِ الْحِمَارِ – عَنِ الشَّيْحَ ابْنِ الْجَمْعِ أَحَدٍ شُيُوخِ الْعِلْمِ الْبَارِزِينَ، صَحِبَهُ مُدَّةٌ، وَلَمَّا ارْتَضَى ذَكَاءَهُ وَنَبَاهَتَهُ اصْطَحَبَهُ مَعَهُ إِلَى سَلْجَمَاسَةَ، وَمَكَثَ هُنَاكَ سِنِينَ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ، فَأَوْصَى لَهُ بِكُتُبِهِ، فَلَمَّا عَادَ أبو الربيع إِلَى قَصْطَالِيَّةَ بِلادِ الْجَرِيدِ بِالْجَنُوبِ النُّونُسِي) اهْتَزَّتْ كُلُّهَا وَشُهْرَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ، ثُمَّ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدْ لِنَشْرِ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ وَمُقَاوَمَةِ الزَّيْعِ وَالْبَدَعِ، فَكَانَ أَثَرُهُ فِيهَا
عَظِيمًا.
لِمَجِيبه
ذَكَرَ عَنْهُ بَعْضُ الْمَشَائِحَ أَنَّهُ رَأَى لَهُ دِيوَانًا وَكُتُبا فِي قَرْيَةٍ تادْيُوت، وَلَا نَدْرِي أَلَا تَزَالُ بَاقِيَةً أَوْ شَيْءٌ مِنْهَا أَمْ عَبَتَتْ بِهَا أَيْدِي الْبِلَى وَالْفَنَاءِ، وَالْبَقَاءُ لِلهِ وَحْدَهُ. اهـ مُصَحَّحه.