الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤٣443
أَوَّلَ سُورَةِ يَس إِلَى قَوْلِهِ: فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) وَيَنْصَرِفُونَ عَنِ الْقَبْرِ، وَلَا يَتَلَفَّتُونَ
إِلَيْهِ.
مَسْأَلَة [في التعزية]: وَيُعَزَّى وَلِيُّ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْفَرَاغَ مِنْ أَمْرِهِ فِي الْبُعْدِ عَنْ
قَبْرِهِ أَوْ فِي مَنْزِلِهِ.
وَمَعْنَى التَّعْزِيَةِ: الْحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ لِوَعْدِ الْأَجْرِ، وَيُدْعَى لِلْمُسْلِمِ بِالصَّبْرِ وَحُسْنِ الْعَزَاءِ وَالثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ، وَغَيْرِ الْمُسْلِمِ يُدْعَى لَهُ بِالْخَلَفِ وَمَا يُمْكِنُهُ مِنْ دُعَاءِ الدُّنْيَا، وَيَرُدُّ الْجَوَابَ الْمُعَنِّي لِمَنْ عَزَّاهُ بِمَا يَسْتَحِقُهُ، إِنْ كَانَ مُسْلِمًا دَعَا لَهُ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَغَيْرُ الْمُسْلِمِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا فَقَطْ.
وَلَا يُعَزّى أَهْلُ الْفِتْنَةِ وَقُطَّاعُ الطُّرُقِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُعَزَّى عَلَيْهِمْ قَرِيبُهُمْ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، ويُعَزَّى الْمُسْلِمُ وَلَوْ مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ كَثِيرٌ، وَغَيْرُ الْمُسْلِمِ مَا دُونَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، وَيُسْتَحَبُّ تَهْيِئَةُ الطَّعَامِ لأَهْلِ الْمَيِّتِ مَا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى نِيَاحَةٍ، لِقَوْلِ النَّبِيُّ الأَهْلِهِ: "اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُمْ مَشْغُولُونَ يمتهم (2)، وَالْبُكَاءُ جَائِزٌ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ نِيَاحَةٍ وَجَزَعٍ وَضَرْبٍ خَدٌ وَشَقٌ ثَوْبٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، لِنَهْيِ الرَّسُولِ الله عَنْ ذَلِكَ.
(1):يس الآيات -1 - 9
(2) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَةَ وَالتُّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ بِلَفْظِ: "فَإِنَّهُ قَدْ أَنَاهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ". وَلَقَدِ انْعَكَسَتِ الْقَضِيَّةُ لِطُولِ الزَّمَنِ، فَأَصْبَحَ أَهْلُ الْمَيِّتِ هُمُ الَّذِينَ يُطْعِمُونَ الْوَافِدِينَ عَلَيْهِمْ أَيَّامَ الْمَآتِمِ الأَمْرُ الَّذِي اضْطَرَ الآبَاءَ - شَفَقَةً عَلَى الأَبْنَاءِ - أَنْ يُوصُوا بِمَا يُطْعِمُونَهُ تِلْكَ الأَيَّامَ. هَذَا وَأَنَّ مَا يَجْرِي فِي مُعْظَمِ نَوَاحِي الْبِلادِ مِنْ إِسْرَافٍ وَتَكَاثُرِ وَمَا يُعَانِيهِ أَهْلُ الْمَيِّتِ مِنْ نَفَقَاتٍ، وَيَرْكَبُهُمْ مِنْ دُيُون قَدْ تُؤَدِّي بِهِمْ أَحْيَانًا إِلَى بَيْعِ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْفَقِيدُ مِنَ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِمْ وَأَهْلُهُ فُقَرَاءَ؛ لأَنَّ أَيَّامَ الْمَأْتَمٍ قَدْ تَمَتَدُّ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ أَسْبُوعِ، بَيْنَمَا يُحَدِّدُهَا الشَّرْعُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ، وَمِمَّا زَادَ الطِّينَ بِلَّة مَا أَحْدَثُوهُ مِمَّا أَسْمَوْهُ " مَأْتَمَ الأَرْبَعِينَ" و"مَأْتَمَ رَأْسِ السَّنَةِ" مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِمَا عَنِ الشَّارِعِ تَرْغِيبٌ، بَلْ هُمَا مِنَ الْبِدَعِ السَّيِّئَةِ الَّتِي أَضَرَّتْ بِالأُمَّةِ، لِمَا يَقَعُ فِيهِمَا مِنْ إِسْرَافِ وَمُبَاهَاةٍ وَإِعْنَاتِ الضُّعَفَاءِ، عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْجِهَاتِ الْجَنُوبِيَّةِ مِنَ الْوَطَنِ – وَإِنْ