الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٦٤الْبَعْضَ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ فِي حَدِيثِ عَلِيٌّ أَنَّهُ قَالَ: "لا جُمُعَةَ وَلاَ تَشْرِيقَ إِلا فِي مِصْرٍ جَامِعِ "، يَعْنِي بِالتَّشْرِيقِ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ، وَقِيلَ: كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ لا يَرَى فِي شَيْءٍ مِنْ بِلادِ الأَعَاجِمِ جُمُعَةٌ، وَقِيلَ: كَانَ ضُمَامٌ لَهُ يَقُولُ: كُلُّ أَرْضِ مِنْ أَرْضِ أَهْلِ الذَّمَّةِ وَالْعَرَبِ أُقِيمَتْ فِيهَا الْحُدُودُ جُمِعَ فِيهَا، وَقِيلَ عَنْ أَبِي الْحَوَارِيِّ (1) مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ: تَجُوزُ صَلاَةُ الْجُمُعَةِ خَلْفَ الْجَبَابِرَةِ فِي الأَمْصَارِ السَّبْعَةِ، وَلَا تَجُوزُ فِي غَيْرِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَةِ الْجُمُعَةِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، إِذْ لَا تُصَلَّى
فُرَادَى، وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْجَمَاعَةِ، فَقِيلَ: وَاحِدٌ مَعَ الإِمَامِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِلرَّجُلَيْنِ: هَذَانِ جَمَاعَةٌ (3)، وَقِيلَ: اثْنَانِ سِوَى الإِمَامِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ سِوَى الإِمَامِ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ.
(1) أبو الْحَوَارِيُّ: هُوَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَوَارِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَوَارِي الْعُمَانِيُّ، مِنْ بَلْدَةِ تَنُوفَ مِنْ أَعْمَالِ بَيْنَ نَزْوَى وَالْجَبَلِ الْأَخْضَرِ، عَاشَ بِنَزْوَى، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ، أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي الْمُؤَكِّرِ الصَّلْتِ بْنِ خَمِيسِ الْحَرُوصِيِّ، وَتَخَرَّجَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ مَرْجِعَ الْعُمَانِيِّينَ فِي عَصْرِهِ، وَمِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ، وَكَانَ فَاضِلاً زَاهِدًا يَعِيشُ بِكَدٌ يَمِينِهِ، نَاهِيكَ أَنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الْفَلَاةِ فَيَأْتِي بِالخَشَبِ إِلَى السُّوقِ يَبِيعُهُ لِبَعِيشَ مِنْهُ، أَدْرَكَهُ زَمَنُ الْقَرَامِطَةِ الَّذِينَ عَمَّ بَلاؤُهُمُ الْجَزِيرَةَ الْعَرَبِيَّةَ، وَأَصْدَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ وَلَاتِهِمْ حُكْمًا بِالإِعْدَامِ، فَوَجَدَهُ الرَّسُولُ يَتْلُو الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ فِي مَسْجِدِ الشَّجَبِي فِي عُقْرِ نَزْوَى، فَأَمْسَكَ عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَقْتُلُهُ؟ قَالَ: خَشِيتُ أَنْ يَنَالَ دَمُهُ جُدْرَانَ الْمَسْجِدِ. وَلَقَدْ تَرَكَ لَنَا تُرَانًا أَدَبِيَّا زِيَادَةً عَلَى مَا تَخَرَّجَ عَلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءَ، تَرَكَ لَنَا: زِيَادَاتٍ مُفِيدَةٌ عَلَى جَامِعِ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَكِتَابَ تَفْسِيرِ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ، الَّذِي قَامَ بِطَبْعِهِ أَخِيرًا أَخُونَا الْفَاضِلُ الشَّيْخُ سَالِمُ بْنُ حَمَدٍ الْحَارِثِيُّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدِ امْتَلاتُ كُتُبُ الأَصْحَابِ بِعِلْمِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. اهـ مُصَححه. (2) بَلْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْجُمُعَةَ تُصَلَّى وَلَوْ فُرَادَى وَلَوْ يُصَلِّيهَا الْإِنْسَانُ فِي بَيْتِهِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا الْجَمَاعَةُ لِتَلا تَنْقَطِعَ. (3) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ. وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: " الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ". رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ.