الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٢قواعد الإس
قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: كَيْفَ يُحَاسِبُ اللهُ الْعِبَادَ عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ؟ فَقَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَيُقَالُ إِنَّ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ، صِنْفَانِ لَا يُسْأَلاَنِ عَنِ الْأَعْمَالِ، وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالْمُشْرِكُونَ، فَالأَنْبِيَاءُ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالْمُشْرِكُونَ إِلَى النَّارِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا يُسْتَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ (2)، ويُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَمِي وَالْأَقْدَامِ} (3)، وَصِنْفٌ ثَالِثُ يُسْأَلُ عَنِ الْأَعْمَالِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ مَاتَ عَلَى كَبِيرَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ عَلَى الْوَفَاءِ هَلْ يُحَاسَبَانِ أَمْ لاَ؟ وَالأَصَحُ أَنَّ الْحِسَابَ يَأْتِي عَلَى الْجَمِيعِ، أَمَّا الْمُسْلِمُ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوا وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيُنَاقَشُ فِي الْحِسَابِ وَالْمُسَاءَلَةِ
(4)
إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ وَقَطْعًا لِلْمَعَاذِيرِ، فَيُحَاسَبُ عَلَى النَّقِيرِ وَالْفَتِيلَ وَالْقِطْمِيرِ، وَبِاللهِ
التَّوْفِيق.
(1) قَالَ الْمُحَنِّي: وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى عَدَمِ سُؤَالِهِمْ، بَلْ غَالِبُ نُصُوصٍ الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى سُؤَالِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَنَسْتَكَنَّ الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: 6)، وَقَوْلِهِ: وَبَل وَرَي لَعَنَ ثُمَّ لَنَونَ بِمَا عَمِلْتُمْ} (التغابن: (7)، وَقَوْلِهِ: يَوْمَ يَعَتُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا، (المجادلة: (6)، وَقَوْلِهِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَسْئُولُونَ} (الصافات: 24)، وَقَوْلِهِ: فَوَرَبِّكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الحجر: 92). فَهَذِهِ الآيَاتُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ.
(2) الْقَصَص: 78.
(3) الرَّحْمَن: 41.
(4) النَّقِير: هِيَ النُّقْرَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ. وَالْفَتِيلُ: مَا يَكُونُ فِي شَقُّ النَّوَاةِ، وَالْقِطْمِيرُ: هِيَ الْقِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ الَّتِي تُغَطِّي النّوَاةَ الْمُرَادُ: أَقَلُ الْقَلِيل كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لَيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَيين)
(الأنبياء: 47).