الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٩وَاجِبٌ عَلَيْهِ تَصْرِيفُهَا فِي الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ كَمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: مُعَارَضَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى، فَإِنَّ لَفْظَ الْآيَةِ يَقْتَضِي الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ يُؤْثَرَ بِهَا أَهْلُ الْحَاجَةِ، إِذْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا سَدَّ الْحَلَّةِ، فَكَانَ تَقْدِيرُ عَدَدِهِمْ فِي الآيَةِ عِنْدَ أَصْحَابِ الْقَوْلِ الأَوَّلِ إِنَّمَا وَرَدَ لِتَمْيِيزِ الْجِنْسِ لَا لِلتَّشْرِيكِ فِي الصَّدَقَةِ، فَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ.
وَرَوَى أَصْحَابُنَا أَيْضًا أَنَّ النَّبِي فَسَّمَ صَدَقَةً أَهْلِ حَضَرَمَوْتَ عَلَى أَرْبَعَةِ رِجَالٍ، وَأَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ صَدَقَةَ بَنِي زُرَيْقٍ كُلَّهَا. وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ الصَّدَقَةَ أَنْ يُعْطِيَهَا لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ
(1) الأَصْنَافُ الَّتِي تُصْرَفُ إِلَيْهَا الزَّكَاةُ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ فِيهَا حُكْمَ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، بَيْدَ أَنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يُصْرَفُ إِلَى كُلِّ صِنْفٍ تَبَعًا لِمَصْلَحَةِ الإِسْلامِ، وَقَدْ يَصْرِفُ زَكَاةً نَاحِيَةٍ بِأَسْرِهَا إِلَى صِنْفِ وَاحِدٍ، بَلْ رُبَّمَا مَيْزَ بِهَا أَفْرَادًا مُعَيَّنِينَ إِذَا اقْتَضَى الْأَمْرُ ذَلِكَ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عَمَلِهِ صلى الله عليه وسلم وَفِيمَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثَيْنِ اثْنَيْنِ لاَ إِلَى وَاحِدٍ كَمَا يُتَبَادَرُ إِلَى الْقَارِئِ بَادِئَ الرَّأْيِ، (الأول): فِي قِسْمَتِهِ صَدَقَةً أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ عَلَى أَرْبَعَةِ رِجَالٍ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ عَلِيًّا بَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَهَبًا مِنَ الْيَمَنِ، فَقَسَمَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ رِجَالٍ: الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَعَلْقَمَةَ، وَزَيْدِ بْنِ الْخَيْرِ، فَغَضِبَتْ قُرَيْضٌ وَقَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ؟!! فَقَالَ: "إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَتَأَلَّفَهُمْ، فَصَرَفَهَا بِحَالِهَا إِلَى الْمُؤَلَّفَةِ. (الثاني): فِي صَرْفِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ كُلِّهَا إِلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو دَاوُدُ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ قَالَ: ظَاهَرْتُ مِنَ امْرَأَتِي، إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ الرَّسُولُ: "اذْهَبْ إِلَى عَامِل بَنِي زُرَيْقٍ فَمُرْهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْكَ صَدَقَاتِهِمْ، فَأَطْعِمْ مِنْهَا سِتِّينَ مسْكِينًا، وَاسْتَعِنْ بِسَائِرِهَا عَلَى نَفْسَكَ وَعَلَى أَهْلِكَ، فَأَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ صَدَقَةَ بَنِي زُرَيْقٍ كُلَّهَا لِيَقْضِي بِهَا مَا عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ وَلِيُمْسِكَ زَوْجَتَهُ لِئَلَا تَفُوتَهُ. اهـ مُصَحْحه.