الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٢لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمَا فَهُوَ غَنِيٌّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَظُنُّ حُجَّتَهُمْ قَوْلَهُ: "مَنْ سَأَلَ وَمَعَهُ أُوتِيَّةٌ فَقَدْ سَأَلَ النَّاسَ إِلْحَافًا (1)، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّي عَنْهُ الزَّكَاةَ فَلَا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ إِلَّا إِذَا كَانَ مدْيَانًا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: "أُمِرْتُ أَنْ أَخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ .... " الْحَدِيث (3)، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ هُوَ وَعِيَالَهُ نَفَقَتَهُمْ وَكِسْوَتَهُمْ وَمُؤْؤنَتَهُمْ إِلَى الْحَوْلِ فَهُوَ فَقِيرٌ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ، وَيَشْهَدُ بِصِحَتِهِ الْخَبَرُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِلْكُهُ مَا لَوْ بَاعَهُ فَاتَهُ سَنَةٌ، مَا خَلاَ بَيْتًا يَسْكُنُهُ وَخَادِمًا يَخْدُمُهُ، وَقَالَ مَنْ قَالَ: لا يُنظَرُ فِي ذَلِكَ إِلَى قِيمَةِ الْمَمْلُوكَاتِ الَّتِي لا يُسْتَغْنَى عَنْهَا، مِثْلِ الْبَيْتِ وَالدَّارِ وَالْخَادِمِ وَالدَّابَّةِ وَالأَصْل الَّذِي لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ لِلْغَنِي حَدٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى
لاجْتِهَادِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الْمَدَنِيُّ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَالُوهَا مِنْ طَرِيقِ الْاجْتِهَادِ وَمَفْهُومِ الْآثَارِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ هَلَ الْغِنَى الْمَانِعُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ هُوَ مَعْنَى شَرْعِيٌّ أَوْ مَعْنَى لُغَوِيٌّ؟ فَمَنْ قَالَ: مَعْنِّى شَرْعِيٌّ، قَالَ: هُوَ وُجُودُ النِّصَابِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ مَعْنَى لُغَوِيٌّ، اعْتبَر فِي ذَلِكَ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَجَمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِيمَنْ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ، لاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لا تُعْطَى لِلْعَبِيدِ.
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِي.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.