الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٣وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فِيهَا فَمَشْرُوطَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا دُونَ غَيْرِهِمْ، فَلَا تُدْفَعُ الزَّكَاةُ
عِنْدَهُمْ إِلا لِلْمُتَوَلَّي، رُوِيَ ذَلِكَ فِي جَوَابَاتِ الإِمَامِ أَفْلَحَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللهُ، وَلا تُدْفَعُ لِصَاحِبِ كَبِيرَةٍ عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُعَيْبٌ فَرُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّ الصَّدَقَةَ لِلْفُقَرَاءِ عَامَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ مِنْ قَوْمِنَا، تُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَتُوضَعُ فِيهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تُعْطَى إِلَّا لِلْمُتَوَلَّي، وَلَا تُؤْخَدُ إِلا مِنَ الْمُتَوَكَّي وَمَنْ لَا يَعْلَمُ خِلافَكَ لَهُ، وَقَالَ ضِمَامُ بْنُ السَّائِبِ (1): لَا بَأْسَ فِي أَخْذِهَا مِنْ أَهْلِ الْخِلافِ إِذَا عَلِمُوا خِلَافَكَ، وَعَنْهُ أَيْضًا: فَلَا بَأْسَ أَنْ تَضَعَ بَعْضَ زَكَاتِكَ فِي أَرْحَامِكَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَوْمِنَا، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: لَا تُعْطِهِمْ شَيْئًا، وَلَا تَأْخُذُوهَا مِنْهُمْ، وَفِي جَوَابَاتِ أَبِي الْمُؤَكِّرِ قَالَ: الْفَقِيرُ الْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ دَعْوَةِ الْمُسْلِمِينَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ مِنْ قَوْمِنَا (3)، قَالَ: لَأَنَّهُ لَا يَسْتَوِي مَنْ يَدِينُ بِوِلَايَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَحَبَّتِهِمْ وَالاعْتِرَافِ بِفَضْلِهِمْ وَمُقِرٌّ بِحُرْمَةِ مَا يَرْتَكِبُهُ، وَمَنْ يَدِينُ بِتَضْلِيلِ الْمُسْلِمِينَ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ، لَا حَقَّ لِهَؤُلَاءِ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَعَمْرِي لَكَذَلِكَ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا كَانَتْ دَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرَةً يُدْفَعُ ثُلُثُ الزَّكَاةِ إِلَى جَمِيعِ الْفُقَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْهُورَةٌ لَمْ تُدْفَعِ الزَّكَاةُ إِلا
لأَهْلِ الْمُوَافَقَةِ، وَلَا تُدْفَعُ إِلَى مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَتَقَوَّى بِهَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(1) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ.
(1) هَذَا الْقَوْلُ قَدْ قِيلَ فِيمَا يَبْدُو تَحْتَ تَأْثِيرِ البِيئَةِ الَّتِي كَانَ يَعِيشُ فِيهَا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كَانَ يُلاقِيهِ هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ سُوءِ الْمُعَامَلَةِ، فَقَدْ عَاشَ فِي حِقْبَةٍ مُنِي فِيهَا عُمَانُ بِفِتْنَةِ الْقَرَامِطَةِ الْمُلْحِدِينَ الْمَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ اسْتَفْحَلَتْ نَزْعَتُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ وَطَأَتُهُمْ، فَعَانُوا فِيهِ فَسَادًا، وَذَاقَ أَهْلُهُ مِنْهُمُ الأَمَرَّيْنِ، فَلا جَرَمَ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الْمَعْنِينَ بِهَذِهِ الْقَوْلَةِ، ثُمَّ لَا جَرَمَ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى أَحَدٍ هَؤُلَاءِ الْمَارِقِينَ، وَفِيهِمْ ذُو الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ فَاسِفًا مِنْ أَهْلِ الدَّعْوَةِ، بَيْدَ أَنَّ كَلِمَتَهُ تَعُمُّ وَلَا تَخُصُّ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَلَى بِهِمْ، فَلَيْسَ كُلُّ مُخَالِفَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ فِيهِمْ مُحَافِظِينَ وَرِعِينَ لَا يَقْصِدُونَ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مُحَادَّةَ غَيْرِهِمْ وَلَا تَخْطِئَتَهُ. أَفَتُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ فَاسِقًا فَاجِرًا يُحَارِبُ الله رَسُولَهُ وَإِنِ انْتَسَبَ إِلَيْنَا زُورًا؟ كَلاا اهـ مُصَححه.