الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٢قواعد الإس
خَطِيبًا، فَقَالَ فِي آخِرِ كَلامِهِ: أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ فَلْيَرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لام " (1)، فَلَعَمْرِي لَكَذَلِكَ.
أَلا تَرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الله حِينَ أَهْدَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى امْرَأَةِ كِسْرَى طِيبًا فَتَطَيَّبَتْ بِهِ، فَقَالَ: كِسْرَى كَافِئِيهَا بِتَاجِي فَكَافَأَتْهَا، فَجَعَلَهُ عُمَرُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَأَعْطَى امْرَأَتَهُ ثَمَنَ طِيبِهَا، وَهَكَذَا فَعَلَ فِيمَا أَهْدَاهُ الْمُشْرِكُونَ لَأَوْلَادِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَالِ الَّذِي أَسْلَفَهُمْ إِيَّاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ اجْعَلْهُ عَلَيْهِمْ قِرَاضًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ الله؛ لأَنَّهُ لَوْلَا الإِسْلَامُ وَسُيُوفُ أَهْلِهِ لَمَا عَرَفَ أَهْلُ الشِّرْكِ عُمَرَ وَلَا أَوْلَادَهُ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لَا ظَاهِرًا وَلَا مُكْتَتِمًا، فَإِنَّ السِّيرَةَ فِي الزَّكَاةِ فِيمَا وَجَدْتُ فِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا أَنْ يَجْمَعَ صُلَحَاءُ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ زَكَاةَ بَلَدِهِمْ ذَلِكَ، فَيُعْطَى مِنْهَا كُلُّ فَقِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ مَؤُونَةَ سَنَةٍ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ قَصْدًا بِغَيْرِ سَرَفٍ، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٍ قُسَمَ فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إِلَيْهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْفُقَرَاءِ أَنْ يَطلُبُوا الزَّكَاةَ بِأَنْفُسِهِمْ عِنْدَ أَهْلِهَا؛ لأَنَّ ذَلِكَ شَيْنٌ فِي الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِي لِيَنَالَ مَا فِي يَدِهِ أَحْبَطَ اللَّهُ ثُلُثَيْ دِينِهِ " (2)، وَقَدْ
(1) [رواه أبو داود، باب في هدايا العمال، ر 2948].
(1) [رواه البيهقي: شعب الإيمان، فصل في ذكر ما في الأوجاع والأمراض والمصيبات من الكفارات، ر 10044] سُئِلَ الإِمَامُ السَّالِمِيُّ عَنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَأَجَابَ: "التَّوَاضُعُ لِغَنِي لأَجْل غِنَاهُ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحْوَالِ إِذْلال لِلنَّفْسِ، وَإِذْلالُ الْمُؤْمِنِ نَفْسَهُ لأَجْلِ الدَّيْنِ حَرَامٌ. أَمَا مَعْنَى ذَهَابِ ثُلُثَيِ الدِّينِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُضَيِّعًا لِرُكَنَيْنِ مِنْ دِينِهِ؛ لأَنَّ الدِّينَ ثَلَاثَةٌ أَرْكَانٍ: اعْتِقَادُ بِالْجَنَانِ، وَقَولُ بالسَانِ، وَعَمَلَ بِالأَرْكَانِ فَالتَّوَاضُعُ الْمَحْجُورُ يَذْهَبُ بِالرُّكْنَينِ الْأَخِيرَيْنِ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْشَأَ عَنِ التَّمَلْقِ بِاللَّسَانِ، وَعَنْ حَرَكَةِ الْأَبْدَانِ، وَبَقِيَ لَهُ الرُّكْنَ الْأَوَّلُ، فَبَذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوحِينَ" اهـ. وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ عَضَهُ الْفَقْرُ بِنَابِهِ وَاضْطَرَّتْهُ الْحَاجَةُ إِلَى طَلَب نَصِيبِهِ مِنْ مَالِ اللَّهِ لَا نَخَالُ يَسْمَلُهُ الْحَدِيثُ وَعِيدَهُ؛ لأَنَّ الْفَقِيرَ يَجُوزُ لَهُ سُؤَالُ الزَّكَاةِ، وَقَدْ سُقْنَا أَدِلَّةَ الْجَوَاز فِي تَعْلِيقِ سَبَقَ. اهـ مُصححه.