الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٦56
وَلا بِالأُنوَثِيَّةِ، وَلَا بِالْجُنُونِ وَلاَ بِالطُّفُولَةِ، وَلا بِاللَّحْمِ وَلَا بِالدَّمِ، وَلَا بِالْبَوْلِ وَلَا
في
بِالْغَائِطِ، وَلا بِالْجُوعِ وَلا بِالْعَطَشِ، وَمَنْ وَصَفَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فَقَدْ أَخْطَاً صِفَتِهِمْ، وَجَعَلُوا الْخَطَأَ فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ شِرْكًا؛ لأَنَّهُ جَعَلَ غَيْرَ الْمَلَكِ مَلَكًا (1)، وَجَعَلُوا الْخَطَأَ فِي صِفَةِ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ، إِنْ وَاجَهَ أَشْرَكَ، وَإِنْ تَأَوَّلَ نَافَقَ، وَإِنَّمَا تُوصَفُ الْمَلائِكَةُ بِمَا وَصَفَهَا اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {جَاعِلِ
(2)
الْمَلَكَةِ رُسُلًا أولى أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ، وَمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالاسْتِغْفَارِ وَالْكَلَامِ وَالرَّغْبَةِ فِي الطَّاعَةِ وَالاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ بِلا تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الصِّفَاتِ، فَعَلَى الْمُكَلِّفِ الإِيمَانُ بِهِمْ، وَالْقَصْدُ إِلَى جِبْرِيلَ بِاسْمِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى رُسُلِهِ وَيَتَوَلاهُ بِالتَّرَحُمِ دُونَ الاسْتِغْفَارِ، وَكَذَلِكَ وَلَايَةُ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ بِالتَّرَحُمِ
دُونَ الاسْتِغْفَارِ (3)، وَثَوَابُهُمْ وَاصِلٌ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ مَا يُوَافِقُ طَبَائِعَهُمْ. وَقِيلَ: الَّذِي يُوَافِقُهُمْ إِيصَالُ الْهَدَايَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَيُوَالُونَ وَيَبْرَءُونَ بِالظَّوَاهِرِ، صَلَوَاتُ اللهِ
عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ)
(4)
(1) صَوَاب الْعِبَارَةِ: جَعَلَ الْمَلَكَ غَيْرَ مَلَكِ.
(2) فاطر: 1.
(3) لأنَّ الرَّحْمَةَ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَالاسْتِغْفَارَ لِلْمُذْنِبِينَ، وَهُمْ لا ذَنْبَ لَهُمْ اهـ. (4) يَبْدُو أَنَّ قَوْلَهُ: (يَبْرَءُونَ بِالظَّوَاهِرِ) يَتَنَافَى مَعَ قَوْلِهِ: (وَمَصِيرُهُمْ إِلَى السَّعَادَةِ)، وَقَوْلِهُ: (وَكَذَلِكَ وَلَايَةُ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ بِالتَّرَحُمِ دُونَ الاسْتِغْفَارِ). قَالَ الْمُحَشَّي وَإِنَّمَا قَالَ – صلواتُ اللهُ عليهِم أجمعين - ليدخل هاروت وماروت. قال في السُّؤالات بعد ذكرِ آيَاتٍ تَدُلُّ عَلَى مَدْحِهِمْ مَا نَضَهُ: " وَمَثَلُ ذَلِكَ مِنَ الْمِدْحَةِ مَا لِجُمْلَتِهِمْ وَلَمْ يَخُصَّ زَمَانًا مِنْ زَمَانٍ وَلَا مَلَكًا مِنْ مَلَكِ، وَدَعْ عَنْكَ مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ وَمَا يَقُولُ الْمُبْلِطُونَ مِنَ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللهِ وَتَنْقِيصِهِمْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، حَاشَاهُمْ مِنَ الْعِصْيَانِ، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَأُولُو النَّهَى" [السوفي: السؤالات، ص 164]. وَفِي بَعْضِ كُتُبِ قَوْمِنَا: وَلَا يُرَدُّ هَارُوتُ وَمَارُوتُ إِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُمَا مَلَكَانِ؛ لأَنَّهُمَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمَا ذَنْبٌ، وَتَعْلِيمُهُمَا النَّاسَ السِّحْرَ إِنَّمَا كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ ابْتِلَاء لَهُمْ وَتَمْيِيزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزَةِ، عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ لِلاخْتِرَازِ عَنْهُ لَيْسَ بِذَنْبٍ، بَلْ هُوَ طَاعَةٌ. اهـ.