قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٨٤

84

لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا"، إِنَّ مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِيهِ طَوِيلاً وَجَدَهُ يُشِيرُ بِرِوَايَتَيْهِ إِلَى اخْتِلَافِ حَالَةِ الْأُمَّةِ إِزَاءَ تَحْدِيدِ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَآخِرِهِ مَتَى حَمَلْنَا قَوْلَهُ: " فَاقْدُرُوا لَهُ عَلَى التَّأْسِيسِ لَا عَلَى التَّأْكِيدِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَمَائِنَا، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ، وَهُوَ بِكَلامَ مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ أَلْيَقُ وَأَوْفَقُ، فَمَا دَامَتِ الأُمَّهُ أُمِّيَّةٌ - كَمَا قَالَ: نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرِ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ ثَلاثِينَ يَوْمًا - فَالْعَمَلُ إِذَا غُمَّ الْهِلَالُ يَكُونُ عَلَى رِوَايَةِ إِثْمَامِ الثَّلَاثِينَ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَمِّ عَدَمُ الظُّهُورِ وَلَوْ فِي الصَّحْوِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُطْبُ أَطْفَيَّشُ فِي شَرْحِ الدَّعَائِمِ، أَمَّا إِذَا تَقَدَّمَتِ الأُمَّهُ فِي الْعِلْمِ وَتَيَسَّرَتْ لَدَيْهَا وَسَائِلُهُ، وَحَذَقَتِ الْحِسَابَ فَإِنَّ الشَّهْرَ يُقَدَّرُ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ، إِمَّا:

- فَلَأَنَّ الرَّوَايَةَ الْأُولَى عِنْدَ الرَّبِيعِ تُلِحُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحِسَابِ هُوَ الْأَصْلُ. 2 - وَأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ حَتَّ عَلَى عِلْمِ الْحِسَابِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الصَّوْمِ بِبَضْعَةَ عَشَرَ عَامًا، لَكِنْ لَمَّا وَجَدَ الرَّسُولُ الأُمَّةَ أُمِّيَّةٌ وَلَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ يُكَلِّفَهَا بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعَهَا أَرْشَدَهَا فِي إِثْبَاتِ مَوَاقِيتِ الْعِبَادَاتِ إِلَى الرُّؤْيَةِ الَّتِي هِيَ فِي إِمْكَانِ كُلِّ حَاضِرٍ وَبَادٍ، فَقَالَ فِي حَقٌّ شَهْرِ رَمَضَانَ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ

وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ - أَوْ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ". 3 - وَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي الْأَرْضِ مَنَاطِقَ غَيْمُهَا دَائِمٌ وَلَيْسَ لَهَا شَعْبَانُ وَلَا رَمَضَانُ، فَيَتَأَنَّى لَهَا إِكْمَالُ الثَّلَاثِينَ، وَأَنَّ جِهَاتٍ مِنَ الْمِنْطَقَةِ الْمُعْتَدِلَةِ لَهَا شَعْبَانُهَا وَرَمَضَانُهَا، لَكِنَّ سَمَاءَهَا تَظُلُّ غَائِمَةً مُدَدًا لَا يَتَيَسَّرُ مَعَهَا تَمْيِيرُ رَمَضَانَ، فَضْلاً أَنْ يُكْمَلَ هَذَا أَوْ ذَاكَ، وَعَلَيْهِ فَتَعْلِيقُ الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ فِي أَوَّلِ عَهْدِ الأُمَّةِ بِرُؤْيَةٍ الهلالِ يُعْتَبَرُ مَرْحَلَةٌ تَمْهِيدِيَّةُ لِشَرِيعَةِ الإِسْلامِ آخِرِ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ الْبَاقِيَةِ بَقَاءَ الدُّنْيَا، رَيْثَمَا يَمْتَدُّ الإِسْلامُ إِلَى الْجِهَاتِ الْمُومَى إِلَيْهَا، وَتُنْمِرُ تَعَالَيمُهُ السَّامِيةُ فِي نُفُوسِ أَتْبَاعِهِ مِمَّا حَتَّ عَلَيْهِ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ هُنَالِكَ إِذْ تَتَأَمَّلُ الأُمَّةُ لإِثْبَاتِ مَوَاقِيتِ عِبَادَاتِهَا بِالطَّرِيقَةِ الْيَقِينِيَّةِ، فَإِنَّ اعْتِقَادَهَا قَطْعِيَّتَهَا حِينَئِذٍ يَمْنَعُهَا أَنْ تَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى الشَّهَادَةِ الظَّنِّيّةِ الَّتِي كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِيهَا التَّلاَعُبُ وَالتَّزْوِيرُ وَيُحْدِثُ اخْتِلَافُهَا فِي الأُمَّةِ فَوْضَى دِينَيَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ تُمَزِّقُهَا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، يُخَطَّئُ الْوَاحِدُ الْآخَرَ فِي سُلُوكِهِ وَيَتَّهِمُهُ بِرِيَّةِ الدِّينِ.

4 - وَأَنَّ الرَّسُولَ ع لَمَّا قَالَ: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نكتُبُ وَلا نَحْسُبُ … الحَدِيث " لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ إِقْرَارَهَا عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى أُمِّيَّتِهَا، وَأَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَالِمَةٌ كَاتِبَةً حَاسِبَةٌ يَوْمًا، فَلَوْ فَرَضْنَا ذَلِكَ لَكَانَ الرَّسُولُ مُنَبِّطًا عَمَّا حَتَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ إِذْ يَقُولُ: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ" وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ حَاشَاهُ! كَيْفَ وَقَدْ عَمِلَ هُوَ نَفْسُهُ عَلَى رَفْعِ الأُمِّيَّة؛ إِذْ جَعَلَ فِدَاءَ أَسْرَى بَدْرِ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ أَنْ يُعَلَّمَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَشَرَةَ مِنْ صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ طَلِيقٌ، وَجَعَلَ هُوَ نَفْسُهُ الْقُرْآنَ الْمِعْيَارَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ صِدْقُ حَدِيثِهِ وَصِحَّةُ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ: "مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ … الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُفْصِحًا عَمَّا أَمْكَنَهُ تَطْبِيقُهُ حِينَذَاكَ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَكثر مَا عَدَلَ - وَاللهُ أَعْلَمُ - عَنِ الْقَطْعِي إِلَى الظَّنِّي.