قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٨٥

??

تواعد الإسلام

كَانَ مَذْهَبُهُ الاسْتِدْلَالَ بِالنُّجُومِ وَمَنَازِلِ الْقَمَرِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ أَنَّ الْهِلَالَ مَرْنِيٌّ وَقَدْ غُمَّ، فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ الصَّومَ وَيُجْزِيهِ).

(1)

وَسَبَبُ الْخِلافِ: الاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: " فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ إِكْمَالُ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ التَّقْدِيرُ بِالْحِسَابِ النُّجُومِي، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُصْبحَ الْمَرْءُ صَائِمًا، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ، كَمَا قَدَّمْنَا فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ إِذَا غُمَّ أَصْبَحَا مُفْطِرَيْنِ.

مَسْأَلَةٌ فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ رُؤْيَةِ الْهِلاَلِ]: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ رُؤْيَةِ الهلالِ، مَعَ اتَّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا رُبِّي بِالْعَشِيِّ أَنَّهُ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَاخْتَلَفُوا ه - كَلامُ الرَّسُولِ كَلامُ مُشَرِّع لا ع لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى مِنْ شَأْنِ عِبَارَتِهِ أَنْ تَكُونَ مَرِنَةٌ جَامِعَةً تُلائِمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِنْ تَطَوُّرِ حَالِ الْبَشَرِ بِحَيْثُ لا يَتَضَارَبُ وَسَيْرَ الْعِلْمِ، فَكُلَّمَا اسْتَجَدَّتْ حَالَةٌ أَوْ بَلَغَ الْعِلْمُ مُسْتَوَى أَعْلَى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلُ إِلا وَنَجِدُ نَصَّ الشارع يَسَعُهُ وَلا يَأْبَاهُ، فَقَوْلُهُ أَيْضًا: "لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ رُؤْيَتَهُ بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ لِكَوْنِ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ، لَكِنَّهُ قَدْ يُقَالُ إِنَّ ذَلِكَ لا يُنَافِي الْحِسَابَ الْفَلَكِي بَلْ يَسَعُهُ وَيَشْمَلُهُ، ذَلِكَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ مُطْلَقَةٌ وَلَمْ يُقَيَّدْهَا بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ، فَجَازَ أَنْ تَشْمَلَ الرُّؤْيَةَ بِالْمِجْهَرِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهَا الْحِسَابُ الْفَلَكِيُّ مَتَى أَثْبَتَ الْعِلْمُ وِلَادَةَ الهَلالِ وَتَعَذَّرَتْ رُؤْيَتُهُ بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ، أَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: "فَإِنْ أَغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى الْحِسَابِ إِذَا كَانَتِ الأُمَّهُ غَيْرَ أُمَّيَّةٍ أَوْ إِكْمَالِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِنْ كَانَتْ لَا تَزَالُ عَلَى أُمَّيَّتِهَا، وَعَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ حَتَّى لَا يَتَعَارَضَ وَالْحَقِيقَةَ الْوَاقِعِيَّةَ مَتَى تَطَوَّرَتِ الأُمَّهُ وَأَصْبَحَتْ عَالِمَةَ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ. وَهَكَذَا شَأْنُهُ التَّعْبِيرِ عَنِ الأَحْكَامِ الَّتِي تَخْضَعُ لِسُنَّةِ التَّطَوُّرٍ تَكُونُ عِبَارَتُهُ دَائِمَا مَرِنَةٌ لَا تَتَعَارَضُ وَمَا يُثْتُهُ الْعِلْمُ الْقَطَعِيُّ، وَهُوَ سِرُّ كَمَالِ شَرِيعَةِ الْخُلُودِ الَّتِي ثَلَائِمُ كُلَّ عَصْرٍ وَتُوَاكِبُ رَكْبَ الْمَعْرِفَةِ مَهْمَا تَطَوَّرَتِ الْعُلُومُ وَاتَّسَعَتْ آفَاقُهَا وَارْتَقَتِ الْمَدَارِكُ وَأَصْبَحَتْ حَقَائِقُهَا وَاقِعِيَّةٌ مَلْمُوسَةٌ مَا إِلَى إِنْكَارِهَا مِنْ سَبِيلٍ. هَذَا مَا تَيَسَّرَ لِي تَسْطِيرُهُ فِي إِيضَاحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي التَبَسَ فِيهَا وَجْهُ الصَّوَابِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، أَرْجُو أَنْ أَكُونَ فِيهِ مُسَدَّدَ الْخُطُوَاتِ، صَادِقَ النَّظَرَاتِ، مَعْصُومًا مِنَ الْخَطَا وَالزَّلَلِ، ثُمَّ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. اهـ مُصَحْحه.

(1) [ابن رشد: بداية المجتهد، 284/ 1].

في