قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٨٩

89

فَأَذَنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا (1)، وَبِهَذَا يَأْخُذُ أَصْحَابُنَا، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ مَرْوِيٌّ عَنْهُ قَالَ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا

الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا (3).

وَأَظُنُّ أَصْحَابَنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ إِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ هِلَالِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِمَكَانِ سَدِّ ذَرِيعَةِ أَنْ لَا يَدَّعِي مَنْ لاَ يُوثَقُ بِهِ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يَرَهُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا رَدُّوا شَهَادَةَ الْعَدْلِ فِي الإِفْطَارِ وَأَجَازُوها فِي الصَّوْمِ؛ لأَنَّهُ فِي الصَّوْمِ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي الإِفْطَارِ شَهِدَ لِنَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي الصَّوْمِ إِجَازَةُ قَوْلِ الْعَبْدِ وَالأَمَةِ، وَلا يَجُوزُ فِي الإِفْطَارِ إِلا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا يُصَامُ بِأَمِينٍ وَاحِدٍ، وَبِأَمِينَيْنِ، وَامْرَأَتَيْنِ أَمِينَتَيْنِ، وَبِثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ

أَهْلِ الْجُمْلَةِ إِذَا لَمْ يُسْتَرَابُوا، وَبِالشُّهْرَةِ الَّتِي لا تُدْفَعُ، وَاللهُ أَعْلَمُ (3).

(1) [رواه أبو داود، باب في شهادة الواحد على رؤية الهلال، ر 2342].

(1) [سبق تخريجه]. (2) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ تَفْرِيعا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ رُؤْيَةَ الْهِلالِ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ لَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَالْعَمَلُ بِالأَحَادِيثِ وَالتَّحْقِيقِ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ هُوَ الأَظْهَرُ، ذَلِكَ أَنَّ بَابَ الْخَبَرِ قِوَامُهُ تَصْدِيقُ المُخْبِرِ لا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَأَنْ تُبُوتَ الصَّوْمِ بِالْعَبْدِ وَحْدَهُ وَبِالْأَمَةِ وَحْدَهَا، وَاشْتِرَاطُ عَدَم الاسْتِرَائِةِ فِى الْجُمْلَتين كُلُّ ذَلِكَ يَلْحَنُ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَر فِي الْبَابَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَهُوَ مَا يُؤَيِّدُ هَذِهِ النَّظَرِيَّةَ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَلَنَا أَنْ نَعْمَلَ بِالنِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ كَمَا تَعْمَلُ بِالرِّجَالِ وَحْدَهُمْ، أَلا تَرَى أَنَّنَا نُصَدِّقُ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ إِذَا مَا عَهِدْنَا إِلَيْهَا بِتَطْهِيرِ ثَوْبٍ، فَأَخْبَرَتْنَا أَنَّهَا طَهَّرَتْهُ وَصَدَّقْنَاهَا وَالتَّصْدِيقُ حُجَّةٌ)، صَحْ لَنَا أَنْ نُصَلِّي بِذَلِكَ الثَّوْبِ وَتَكُونُ صَلَاتُنا صَحِيحَةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَأَيُّ فَرْقٍ إِذَنْ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَكِلاهُمَا مِنْ قَوَاعِدِ الإِسْلَامِ؟ أَضِف إِلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّظَرِيَّةَ تُلائِمُ يُسْرَ الإِسْلامِ وَسَمَاحَتَهُ، وَالدِّينُ يُسْرُ. "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ". اهـ مُصَحْحه.