قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٩

مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٌّ مُبِينٍ، وَأَنَّهُ كَلامُ اللهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ، وَأَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ كُلَّهُمْ آدَمِيُّونَ مِنْهُمْ مَنْ أُرْسِلَ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ كَافَّةٌ، كَآدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ)، وَمِنْهُمْ مَنْ

(1) عَلَى أَنَّ إِرْسَالَ هَؤُلَاءِ إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ كَافَّةٌ مُشْكِلٌ مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ، وَأَعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً". [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، كتاب التيمم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، (427، ومسلم، کتاب المساجد، ر 1191]. وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْ مَضْمُونِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي حَقِّ الْجِنِّ أَنَّ دَعْوَتَهُمْ كَانَتْ بِالنَّبَعِيَّةِ لِدَعْوَةِ الْإِنْسِ لا اسْتِقْلَالاً، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رَسُلاً إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مِنَ الْجِنِّ رُسُلاً، وَلَا كَانُوا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ رُسُلُ الْإِنْسِ هُمْ أَنْفُسُهُمْ رُسُلاً لِلْجِنِّ، وَأَنَّ الْجِنَّ يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُمْ دِينَ اللهِ كَمَا يَتَلَقَّى عَنْهُمُ الإِنْسُ سَوَاءٌ بِسَوَاءَ، وَعَلَيْهِ فَفِي كُلِّ زَمَانٍ نَدْرٌ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُنْذِرُونَ أَقْوَامَهُمْ وَيَهْدُونَهُمْ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. يَدُلُّ لِذَلِكَ فِي حَقِّ الْإِنْسِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَنَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122)، وَفِي حَقِّ الْجِنِّ قَوْلُهُ: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرَ مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ … الآيات (الأحقاف: 29)، وَقَالَ تعَالَى: {وَأُوحِيَ إِلَى هَذَا الْقُرْمَانُ لِأَنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام: (19)، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَعْقُولِيَّةِ لِبَرَاهِينَ وَاعْتِبَارَاتٍ يَطُولُ شَرْحُهَا. قَالَ تَعَالَى: {يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ وَايْنِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَتَهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَفِرِينَ) (الأنعام: 130)، وَقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: (4)، وَقَالَ: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ - إِلَى قَوْلِهِ فِي ضَلَالٍ مبين (الأحقاف: 29 - (32). أما أَنَّ أَهْلَ الْكَافَةِ مَبْعُوثُونَ إِلَى الْجِنِّ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ رُسُلَهُمْ كَانُوا رُسُلاً مَبْعُونِينَ إِلَى الْكَافَّةِ يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُمْ وَيُبَلِّغُونَ إِلَى قَوْمِهِمْ كَمَا يُسْتَشَفٌ ذلِكَ مِنْ أ مَعَ رَسُولِ اللهِ، وَلَوْلا مَا قَصَّ عَلَيْنَا الْقُرْآنُ مِنْ صَرْفِهِمْ إِلَى الرَّسُولِ وَتَلَقَّيهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّهُمْ عَلَى دِينِ مُوسَى، وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَخْدَمِينَ لِسُلَيْمَانَ وَمِنْ جُنْدِهِ، لَمَا عَلِمْنَا عَنْهُمْ شَيْئًا، وَلَطَالَبْنَا مَنْ يُثْبِتُ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّهِ نَصّ، بِدَلِيلِ نَقْلِي قَاطِعِ، كَيْفَ وَالْمَسْأَلَهُ مِنَ الاعْتِقَادِيَّاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا الْيَقِينَ، وَلَوْ عَمَّمُوا وَقَالُوا: إِنَّ كُلَّ رَسُولٍ مَبْعُوثُ إِلَى قَوْمِهِ مِنَ الإِنْسِ وَإِلَى الْجِنِّ الَّذِينَ يُسَاكِنُونَهُمْ بِالتَّبِعِ، وَلَمْ يُخَصِّصُوا الْبَعْثَةَ إِلَيْهِمْ بِرُسُلِ الْكَافَّةِ لَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْحَقِيقَةِ فِيمَا أَرَى فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا فِي حَقِّ الْجِنِّ أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّهُمْ مَوْجُودُونَ وَإِنِ احْتَجَبُوا عَنَّا، وَأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ مِثْلَنَا، بُعِثَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ كَمَا بُعِثَتْ إِلَيْنَا، يُنَابُ مُؤْمِنْهُمْ بِالْجَنَّةِ وَيُعَاقَبُ كَافِرُهُمْ بِالنَّارِ. وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي بَابِ الْعَقِيدَةِ، وَهُوَ مَا يُلائِمُ سَمَاحَةَ الإِسْلَامِ، وَأَخْذَهُ بِالْمَيْسُورِ فِيمَا