الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٩٩99
ذَلِكَ بَعْضُ فُقَهَاءِ قَوْمِنَا، وَأَظُنُّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَنْوِي كُلَّ لَيْلَةٍ.
وَحُجَّةُ أَصْحَابِ الْقَوْلِ الأَوَّلِ: أَنَّ رَمَضَانَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ تَكْفِي فِيهِ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ أَوَّلِهِ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَلَعَلَّ الآخَرِينَ احْتَجُوا بَأَنَّ اللَّيَالِي فَصَلَتْ بَيْنَ صِيَامِ الأَيَّامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ النَّيَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ صِيَامُ فَرْضِ وَلَا نَفْلِ إِلا بِتبييتِ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى إِجَازَتِهَا بَعْدَ الْفَجْرِ لِصَوْمِ النَّفْلَ دُونَ الْفَرْضِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِهَا بَعْدَ الْفَجْرِ فِي كُلِّ فَرْضِ مُتَعَيِّنٍ وَقَتُهُ مِثْلِ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرِ أَيَّامٍ
مَعْدُودَة.
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي هَذَا اخْتِلافُ الآثَارِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَا صَوْمَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ (1)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَهَا النَّبِيُّ: "هَلْ عِنْدَكِ مِنْ طَعَامِ؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: "فَإِنِّي صَائِمٌ"، وَذَلِكَ فِي النَّهَارِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي النَّفْلِ وَالْفَرْضِ جَمِيعًا، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهَا عَنْ قُوتِهِمُ الَّذِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ وَقْتَ الإِفْطَارِ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ.
(2)
(1) [رواه النسائي، كتاب الصيام، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك،
ر 2334].
(1) [رواه مسلم، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار، ر 2770] وَهَذَا الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ الَّذِي تُجْزِئُ نِيَّتُهُ مِنَ النَّهَارِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ طَعِمَ، لَا فِي صَوْمِ الْفَرْضِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي صحتِهِ تَبْسِيتُ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ، وَالْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ.