قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٠٢

تَقْضِي فَرَّطَتْ أَوْ لَمْ تُفَرِّطُ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ مُخَالِفِينَا إِلَى أَنَّ الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ، وَإِنْ أَصْبَحَ جُنبا لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَزَعَمُوا ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَاحْتَجُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم "كَانَ يُصْبِحُ جُنُبا مِنْ جِمَاعِ غَيْرِ اختلام " (1)، وَالَّذِي قَالَهُ فِي هَذَا الحَدِيثِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ لَهُ عُذْرٌ،

11

(1) [رواه البخاري، باب اغتسال الصائم، ر 1830]. قَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ: "وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ - يَعْنِي: ذَهَبُوا إِلَى صِحَةِ صَوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبا -. "وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ وَقَدْ عَارَضَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ صَلاةِ الصُّبْح وَأَحَدُكُمْ جُنُبٌ فَلاَ يَـ يَوْمَهُ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَنْ أَبَا هُرَيْرَةَ رَجَعَ عَنْهُ لَمَّا رُوِيَ لَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأَفْتَى بِقَوْلِهِمَا". قَالَ الْمُصَرِّحُ [بكلي]: وَيُعَارِضُهُ أَيْضًا حَدِيثُ الرَّبِيعِ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ. ثُمَّ قَالَ [يعني صاحب سبل السلام: "وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَفْتِيهِ وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ - أَيْ صَلاةُ الصُّبْحِ - وَأَنَا جُنُب. فَقَالَ النَّبِيُّ. النبي: "وأنا الصَّلاةُ وَأَنَا جُنَّبٌ فَأَصُومُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا

تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي" وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى النَّسْحَ الْخَطَّابِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصَّابِهِ. وَرَدَّ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَقْوَى سَنَدًا حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: صَحَ وَتَوَاتَرَ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِهِ، وَرِوَايَةُ

الرَّفْعِ أَقَلُّ، وَمَعَ التَّعَارُضِ يُرَجَحُ لِقُوَّةِ الطَّرِيقِ". اهـ[الصنعاني: سبل السلام، 2/ 165]. قَالَ بَدْرُ الدِّينِ السَّمَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّوْحِيدِ: "مَسْأَلَة الْفِعْلاَنِ لَا يَتَعَارَضَانِ إِلَّا إِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَكْرَارِ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ الثَّانِي نَاسِخًا لَهُ، وَإِنْ عَارَضَهُ الْقَوْلُ نَحْوَ: " مَنْ أَصْبَحَ جِنْبا أَصْبَحَ مُفْطَرًا فَالْفِعْلُ خَاصٌ بِهِ وَالْقَوْلُ مُتَوَجَّهُ إِلَيْنَا، وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى التَّأْسِي بِهِ وَدَلَّتْ عَلَى تَكْرَارِ الْفِعْلِ فَالثَّانِي نُسِخَ، وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيحُ فَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ ثَالِيُّهَا الْمُخْتَارُ الْعَمَلِ بِالْقَوْلِ؛ لأَنَّ دَلَالَتَهُ أَقْوَى لأَنَّهُ وُضِعَ لِذَلِكَ، وَلأَنَّ دَلَالَتَهُ تَعُمُّ الْمَعْدُومَ وَالْمَوْجُودَ وَالْمَعْقُولَ وَالْمَحْسُوسَ؛ لأَنَّ دَلَالَتَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. اهـ[مقدمة التوحيد وشروحها، ص 128]. سَتَرُوحُ مِنْ هَذَا التَّفْصِيل أَنَّ تَارِيخَ الْحَدِيثَيْنِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبا" وَحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيِّ كَانَ يُصْبِحُ جُنْبا" كَانَ مَجْهُولاً، لِذَلِكَ رَبَّحَ أَصْحَابُنَا الْعَمَلَ بِالْقَوْلِ لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ، وَلَأَنَّ الْخِطَابَ مُقَدَّمٌ عَلَى وَاقِعَةِ الْحَالِ. اهـ مُصَححه.