الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٢٣وَسَبَبُ الْخِلافِ: مُعَارَضَةُ الْمَفْهُومِ مِنْ ذَلِكَ لِظَاهِرِ بَعْضِ الْقَوْلِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ إِنَّمَا هُوَ الرُّحْصَةُ لِمَكَانِ الْمَشَقَّةِ، وَذَلِكَ نَضٌ فِي قَوْلِهِ: "رُحْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ أَخَذَهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ صَامَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ (1)، وَمَا كَانَ رُحْصَةٌ فَالْأَفْضَلُ تَرْكُهَا.
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَرَوَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ (2).
وَأَمَّا مَنْ خَيْرَ فِي ذَلِكَ فَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ لِحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ " (3)، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ أَفْضَلَهُمَا أَيْسَرُهُمَا عَلَى الإِنْسَانِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: وَيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بكُمُ الْمُسْر الآية (4).
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجِدُ فِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ هِيَ رُحْصَةٌ .. (1) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ. قَالَ ابْنُ بَرَكَةَ: فَفِي الْخَبَرِ الْمَرْوِيٌّ عَنْهُ " أَنَّهُ مَرَّ بِزِحَامٍ فِي حَالِ سَفَرِهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ صَائِمٌ، فَقَالَ: "اقْبَلُوا رُحْصَةَ اللَّهِ، وَفِي الرَّوَايَةِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ مِنْ شِدَّةِ الصَّوْمِ، فَظَلَّلَ عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: "عَلَيْكُمْ بِرُحْصَةِ اللهِ فَاقْبَلُوهَا " اهـ[جامع بن بركة، 2/ 10، 11]. يَعْنِي أَنَّ نَفْيِ الْبِرِّ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا تَحَقَّقَتِ الْمَشَقَّةُ، فَالصَّوْمُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ، بَلْ هُوَ كَالرَّفْضِ لِرُحْصَةِ اللَّهِ الَّتِي شَرَعَهَا رَحْمَةً بِعِبَادِهِ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} (البقرة: (185)، فَإِذَا كَانَ الْإِفْطَارُ يُبَاحُ فِي السَّفَرِ لِمَظَلَّةِ الْمَشَقَّةِ فَكَيْفَ لَا يُمْنَعُ فِيهِ لِلْمَشَقَّةِ إِذَا تَحَقَّقَتُ؟ أَمْ كَيْفَ يُعتبرُ هَذَا الصَّوْمُ مِنَ الْبِرِّ وَهُوَ
يُخَالِفُ مَقْصِدَ الشَّارع يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ) اهـ مُصَححه. (2) [رواه البخاري، باب الصوم في السفر والإفطار، ر 1841]. (1) الْبَقَرَة: 185.