الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٢٤قواعد الإسلام
1240
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي حَدٌ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهَا الْمُسَافِرُ، فَذَهَبَ ا
جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُفْطِرُ فِي السَّفَرِ الَّذِي يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ وَالشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ فِي كُلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ، وَهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْحَوْزَةَ الْمَحْدُودَة عِنْدَهُمْ، أَوْ يَسِيرَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ السَّفَرُ النَّائِي عِنْدَهُمْ، إِلا أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهُ فِي طَرَفِ الْحَوْزَةِ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ إِذَا جَاوَزَ الْفَرْسَخَيْنِ بَعْدَ الْحَوْزَةِ، قَالُوا: وَإِنْ أَفْطَرَ مُفْطِرٌ فِيمَا دُونَ الْحَوْزَةِ بَعْدَ أَنْ يُجَاوِزَ فَرْسَخَيْنِ فَإِنَّهُ يُنْهَرُ وَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ سَفَرًا نَائِيًا فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ فِي هَذَا: مُعَارَضَهُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مُسَافِرٍ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَن كان منكم مريضًا أَوْ عَلَى سَفَرِ﴾ الآية)، وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمَعْقُولُ مِنْ إِجَازَةِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ الْمَشَقَّةُ، فَلَمَّا كَانَتْ لاَ تُوجَدُ فِي كُلِّ سَفَرٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الَّذِي فِيهِ الْمَشَقَّةُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ مُجْمِعِينَ عَلَى الْحَدِّ فِي ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُقَاسَ ذَلِكَ عَلَى الْحَدِّ فِي تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ.
أَمَّا الْمَرَضُ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْفِطْرُ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ الْمَرَضُ الْغَالِبُ، وَهُوَ الَّذِي تَلْحَقُّ مِنَ الصَّوْمِ مَعَهُ مَشَقَّةٌ، وَقِيلَ: هُوَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مَرَضِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي يُضْعِفُ عَنِ الصَّوْمِ وَيُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الإِفْطَارِ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْكُلَ فِيهِ مَا يُبْلِغُهُ إِلَى اللَّيْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هُوَ بِعَيْنِهِ اخْتِلَافُهُمْ فِي حُكْمِ السَّفَرِ.
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.