الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٢٥قواعد الإسلام
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُفْطِرُ فِيهِ الْخَارِجُ إِلَى السَّفَرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُفْطِرُ مِنْ يَوْمِهِ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيل وَالشَّعْبِي، وَقِيلَ: يُفْطِرُ إِذَا بَرَزَ مِنَ الْبُيُوتِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُفْطِرُ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولُ والأَوْزَاعِيُّ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَقِيلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيٌّ أَنَّهُ قَالَ: يُفْطِرُ إِنْ شَاءَ فِي بَيْتِهِ يَوْمَ يُرِيدُ السَّفَرَ. وَفِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا: أَنَّ الْمُسَافِرَ لا يُفْطِرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي حَدٌ السَّفَرِ، فَيَعْقِدُ الإِفْطَارَ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يُصْبِحُ حِينَئِذٍ مُفْطِرًا، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ لا يُفْطِرُ حَتَّى يَنْوِيَ الإِفْطَارَ مِنَ اللَّيْلَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبَانَ بْنِ وَسِيمٍ الله أَنَّهُ بَرَزَ مِنْ مَنْزِلِهِ لِسَفَرٍ نَاءٍ فَأَكَلَ وَقَصَرَ الصَّلاةَ، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. وَسَبَبُ الْخِلافِ: مُعَارَضَةُ الآثَارِ لِلنَّظَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ
عَبَّاس أَنَّ النَّبِيِّ لا صَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ (1)، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَفْطَرَ بَعْدَ أَنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ، وَأَمَّا النَّاسُ فَلَا شَكٍّ أَنَّهُمْ أَفْطَرُوا بَعْدَ
(2)
6
تبييتهمُ الصَّوْمَ، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا جَاوَزَ الْبُيُوتَ دَعَا بِالسُّفْرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ فَقَالَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ، وَأَمَّا النَّظَرُ فَلَأَنَّهُ لَمَّا
(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ: خَرَجَ النَّبِيُّ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْح فِي رَمَضَانَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، فَأَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ بالأَحْدَثِ فَالأَحْدَث منْ أَمْرِ النَّبيِّ ". (1) الْمَفْهُومُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنْ لَيْسَ ثَمَّتْ تَبْسِيتُ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْل لاَ مِنَ ا وَلَا مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ يَكَادُ الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ تَحْصِيصًا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لا صَوْمَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ". يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ ما جَاءَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: "فَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ النَّبِي، وَعَلَيْهِ فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السَّفَرَ فِي حَدٌ ذَاتِهِ سَبَبٌ مُّبِيحٌ لِلإِفْطَارِ مَتَى تَحَقَّقَ جَازَ الإِفْطَارُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَنَسَبَهُ إِلَى عَمْرِو: هِ الْمُصَنِّفُ وَنَسَبَهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَالشَّعْبِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ مُصَححه.