الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣٠قواعد الإسـ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ صَوْمِ الْقَضَاءِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ التَّتَتابعُ فِي الْقَضَاءِ كَمَا يَجِبُ فِي الأَدَاءِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٌّ وَابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِي وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَعَامَّةً فُقَهَائِنَا، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: نَزَلَتْ "فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ"، فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتٍ، وَقَالَ غَيْرُ أَصْحَابِنَا مِنْ مُخَالِفِيهِمْ: "أَخْصُوا الْعِدَّةَ وَصُمْ (1) كَيْفَ شِئْتَ (2)، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكِ وَمُعَادٍ وَرَافِعِ بْنِ حَدِيجٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَار (3).
(1) [رواه الدارقطني، باب القبلة للصائم، ر 60]. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَنَا صِحَتُهُ، وَلَوْ صَحَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الاسْتِحْبَابِ وَالأَفْضَلِيَّةِ. قِيلَ: وَلَوْ ثَبَتَتْ كَانَتْ مَنْسُوخَةٌ لَفْظًا وَحُكْمًا، لِهَذَا لَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ، فَلا تَجُوزُ الزَّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ قُرّاء الشَّوَاةٌ، وَإِنْ قَالَ الْعَيْنِيُّ: قَرَأَ بِهَا أَبِي وَلَمْ تُشْتَهَر فَكَانَتْ كَخَبَرِ وَاحِدٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ بِمِثْلِهِ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا قِرَاءَةٌ مَشْهُورَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ. اهـ. [ابن قدامة: الشرح الكبير، 3/ 80]. (1) [رواه الدارقطني، باب القبلة للصائم، ر 64، لما سئل أبو عبيدة بن الجراح عن قضاء الصيام، فقال: "أخص العدة وصم كيف شئت"].
(2) بَلْ عَنْ جَمْعِ غَفِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، ذَكَرَهُمُ الْعَيْني وَاحِدًا وَاحِدًا رِوَايَةٌ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَأَنْهَى عَدَدَهُمْ إِلَى سَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ أَنَّهُمْ، قَالُوا: يَقْضِي مُفَرِّقًا. وَقَدِ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ عَامِرِ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: "لَمْ يُرَخُضْ لَكُمْ فِي فِطْرِهِ وَهُوَ
رِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَلَيْكُمْ فِي قَضَائِهِ، فَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ". وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَ قُطني " فِي قَضَائِهِ" زِيَادَةُ إِنْ شِئْتَ فَوَاتِرْ وَإِنْ شِئْتَ فَفَرِّقُ". وَقَدْ صَحَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صوْمِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: "ذَلِكَ إِلَيْكَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ
الدَّرْهَم بنِ، أَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءِ؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَعْفُوَ وَيَغْفِرَ، وَهُوَ الْأَرْفَقُ بِحَالِ الأُمَّةِ وَالأَوْفَى لِرُوحِ التَّشْرِيع، ويُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185)، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمَ التَّتَابِع مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ الْفِقْهُ الإِسْلَامِيُّ أَسَاسُ التَّشْرِيعِ": أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا أتى فِي النَّصُ الْقُرْآنِيُّ مُطْلَقًا وَلَمْ يَـ فِي نَص آخَرَ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ لَزِمَ الْعَمَلُ بِالْمُطْلَقِ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَلَا يَصِحُ أَنْ يُقَيَّدَ بِشَيْءٍ إِلَّا إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى تَفْسِيدِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ كَلِمَةُ أَيَّام " الْوَارِدَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"؛ فَإِنَّهَا ذُكِرَتْ مُطْلَقَةٌ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِالتَّتَابِعِ، وَلَمْ تَرِدْ فِي نَصَّ آخَرَ مُقَيَّدَةٌ بِهِ، وَلَّمْ يَقُمْ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى تَقْيِيدِهَا بِذَلِكَ، فَيُعْمَلُ بِهَا عَلَى إِطْلَاقِهَا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ أَجْلِ