الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣١وَسَبَبُ الْخِلافِ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى صِفَةِ الأَدَاءِ، أَصْلُهُ الصَّلاةُ وَالْحَيُّ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَامٍ أُخَرَ إِنَّمَا يَقْتَضِي إِيجَابَ الْعَدَدِ لَا إِيجَابَ التَّابِعِ، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ إِذَا أَخَّرَا الْقَضَاءَ حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ آخَرُ وَقَدْ أَمْكَنَهُمَا الْقَضَاءُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَصُومَانِ هَذَا الْحَاضِرَ وَيُطْعِمَانِ عَنِ الْمَاضِي لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا غَدَاءَهُ وَعَشَاءَهُ، وَيَقْضِيَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ صِيَامًا، رُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالزُّهْرِيُّ والأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُومُ هَذَا الْحَاضِرَ، ثُمَّ يَقْضِي بَعْدَ ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ صِيَامًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِطْعَامٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ تُقَاسُ الْكَفَّارَاتُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَمَنْ أَجَازَ الْقِيَاسَ قَالَ بِكَفَّارَةِ الإِطْعَامِ قِيَاسًا عَلَى الْمُفْطِرِ تَعَمُّدًا؛ لأَنَّ كِلَيْهِمَا مُنْتِهَكًا لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ الْمُفَرِّطُ بِالإفْطَارِ وَالْمُفَرِّطُ بِالتَّأْخِيرِ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْهُ قَالَ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ
فَقَطْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِكَفَّارَةِ الإِطْعَامِ فِي قَدْرِ الإِطْعَامِ، فَقِيلَ: يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: يُطْعِمُ عَنْ كُلَّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَرْضِ أَوِ السَّفَرِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَتابعُ في الأيام الَّتِي يَلْزَمُهُ صِيَامُهَا بَدَلاً مِنَ الأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا، بَلْ لَهُ أَنْ يَصُومَهَا مُتَتَابَعَةً وَلَهُ أَنْ يَصُومَهَا مُتَفَرِّقَةً" اهـ. وَيُقَوِّي هَذَا الاسْتِدْلَالَ مَا رَوَى الدَّارَ قُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ: إِنْ شَاءَ فَرَّقَ، وَإِنْ شَاءَ
تَابَعَ ". اهـ مُصَحْحه.