قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٦٥

قواعد الإسلام

تَجِدَ وَلَنْ تَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَخْطَاكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، فَإِنْ مُنَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ (1). فَاعْلَمْ أَيَّدَكَ اللهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي فِي الْعَالَمِ مِنْ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَخَيْرٍ وَشَرٌ، وَنَفْعِ وَضُرٍّ وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ، فَلا يَطِيرُ طَائِرٌ بِجَنَاحَيْهِ، وَلَا يَدِبُّ حَيَوَانُ عَلَى بَطْنِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَلا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ وَإِرَادَةٍ مِنَ اللَّهِ وَمَشِيئَةٍ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَدَرَ وَالطَّلَبَ لاَ يَتَنَافَيَانِ، وَالتَّوَكُلَ وَالْكَسْبَ لَا يَتَضَادَّانِ، وَذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ كَائِنُ لَا مَحَالَةَ، كَمَا أَنَّ مَا عَلِمَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ فَهُوَ كَائِنُ لا مَحَالَةَ، وَمَنْ خَالَفَنَا فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَافَقَنَا فِي الْعِلْمِ، فَرُبَّ أَمْرٍ قَدَّرَ اللهُ وُصُولَهُ إِلَيْكَ بَعْدَ الطَّلَبِ فَلا يَصِلُ إِلَيْكَ لَا بِالطَّلَبِ، وَالطَّلَبُ أَيْضًا مِنَ الْقَدَرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الأَمْرِ الْمَطْلُوبِ وَبَيْنَ الطَّلَبِ، فَإِنَّهُمَا مَقْدُورَانِ، فَمِنْ هَهُنَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا لا يَتَنَافَيَانِ، وَكَذَلِكَ التَّوَكُلُ مَعَ الْكَسْبِ؛ لأَنَّ التَّوَكُلَ مَحِلُّهُ الْقَلْبُ، وَالْكَسْبَ مَحِلُّهُ الْجَوَارِحُ، وَلاَ يَتَضَادَّ شَيْئَانِ فِي مَحَلَّيْنِ، فَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ الْعَبْدُ أَنَّ التَّقْدِيرَ مِنَ اللَّهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ شَيْءٍ فَبِتَقْدِيرِهِ، وَإِنِ اتَّفَقَ فَبِتَيْسِيرِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ الله عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدَعُهَا وَأَتَوَكَّلُ، فَقَالَ: "اعْقِلُهَا وَتَوَكَّلْ (2) فَالتَّوَكُلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى هُوَ الثَّقَةُ بِمَا ضَمِنَهُ وَالْقَطْعُ بِكَوْنِ مَا (2). يَحْكُمُ بِهِ، فَمَنْ رَامَ أَمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَلَيْسَ الطَّرِيقُ فِي تَحْصِيلِهِ أَنْ يُعْلِقَ بَابَهُ عَلَيْهِ وَيُفَوِّضَ أَمْرَهُ إِلَى رَبِّهِ وَيَنتَظِرَ ذَلِكَ الْوَجْهَ الَّذِي أَرَادَهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِالْعِرَاقِ، وَتَخَرَّجَ عَلَيْهِ مِنْ مُخْتَلِفِ الأَقْطَارِ عُلَمَاءُ فَطَاحِلُ كَانَتْ لَهُمُ الصَّدَارَةُ فِي أَوْطَائِهِمْ تُوُفِّيَ

فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّانِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. اهـ مُصَححه.

(1) [رواه الربيع، باب في القدر والحذر والتطير، ر 72]. (2) رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، ر 2517، وابن حبان، باب الورع والتوكل،

ر 731.