الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧١والثاني: أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ يُحِلُّ بِعُمْرَةٍ شَاءَ أَوْ أَبَى، سَوَاءٌ كَانَ
قَارِنَا أَوْ مُفْرِدًا أَو مُتَمَتِّعًا، هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ. والثالث: أَنَّ فَسْخَ الإِحْرَامِ بِعُمْرَةٍ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ إِيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، رُوِيَ هَذَا عَنْ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إِلَى التَّخْيِيرِ فِي ابْتِدَاءِ الإِحْرَامِ بَيْنَ الإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، لَكِنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا التَّمَتُّعَ؛ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ، وَلَأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ بِهَا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، "عُمْرَتُنَا هَذِهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: بَلْ هِي لِلأَبَدِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " (1)، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَوْ حَجَجْتُ أَرْبَعِينَ مَرَّةٌ لَجَعَلْتُ مَعَهَا مُتْعَةٌ، وَبِهَذَا قَالَ - فِيمَا وَجَدْتُ - عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَجَمَاعَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ فَتَمَسَّكُوا بِنَهْيِ الصَّحَابَةِ عَنْهَا كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا. وَسَبَبُ الْخِلافِ: هَلْ فِعْلُ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ عَلَى
الْخُصُوص؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ التَّمَتُّعِ: فَهُوَ مَا كَانَ يَذْهَبُ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ التَّمَتُّعَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ هُوَ تَمَتَّعُ الْمُحْصَرِ عَنِ الْحَجِّ بِمَرَضِ أَوْ عَدُوٌّ، وَذَلِكَ إِنْ خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًا فَحَبَسَهُ عَدُوٌّ أَوْ غَيْرُهُ حَتَّى تَذْهَبَ أَيَّامُ الْحَجِّ، فَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَطُوفُ
وَيَسْعَى، فَيَسْتَمْتِعُ بِإِحْلالِهِ إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، ثُمَّ لِيَحُجَّ وَيَهْدِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) رِوَايَةُ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: "لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ أَنْ يُحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ بِالْحَجِّ وَتَجْعَلُوهَا عُمْرَةً قَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ عُمْرَتِنَا هَذِهِ، أَلَنَا خَاصَّةً أَمْ هِي لِلأَبَدِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: "بَلْ هِي لِلأَبَدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".