الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٩الفصل الثاني
فِيمَا يَتَّقِيهِ الْمُحْرِمُ مِنَ الطَّيبِ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الطَّيبَ كُلَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ لَهُ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَكَرِهَهُ قَوْمٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: قَوْلُ النَّبِيِّ لِلرَّجُلِ الَّذِي جَاءَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ مُلَطَّخَة بطيب؟ قَالَ النَّبِيُّ: "أَمَّا الطَّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلُهُ عَنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي حَجَّتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي عُمْرَتِكَ " (1)، اخْتَصَرْتُ الْحَدِيثَ، وَفِقْهُهُ هَذَا.
وَأَجَازَ آخَرُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَاحْتَجُوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنْتُ أُطيِّبُ رَأْسَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمَا (2)، فَقَالَ الأَوَّلُونَ: إِذَا اغْتَسَلَ إِنَّمَا يَبْقَى عَلَيْهِ أَثَرُهُ لَا
(1) [رواه البخاري، باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب، ر 1463]. (1) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، وَوَرَدَتِ الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ آخَرَ: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّيِّبَ يَحْرُمُ بَعْدَ الإِحْرَام لا قَبْلَهُ. وَالْمُرَادُ بِالْحِل الإخلال الَّذِي يَحِلُّ بِهِ كُلُّ مَحْظُورٍ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَقَدْ كَانَ حَلَّ بَعْضَ الإخلالِ وَهُوَ بِالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ الطَّيبُ وَغَيْرُهُ، وَلا يُمْنَعُ إِلا
مِنَ النِّسَاءِ بَعْدَهُ. اهـ مُصَححه.