الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩١وَيَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا لِبُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الرَّمَل فِي الطَّوَافِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ مُخَالِفِينَا مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الثَّلاثَةِ الأَشْوَاطِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا الرَّمَلُ فِي الطَّوَافِ مَنْسُوخٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ فِي حَدِيثِ ابْنِ الطُّفَيْلِ، وَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ عَنْ قَوْمِهِ فَقَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، فَقَالَ كَيْفَ؟ فَقَالَ: صَدَقُوا فِي قَوْلِهِمْ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَذَبُوا إِذْ جَعَلُوهُ سُنَّةً لا يَجُوزُ تَرْكُهَا، قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَلَغَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي جَهْدٍ وَشِدَّةِ جُوعِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ لا أَنْ يَرْمُلُوا لِكَيْ يُرُوا الْمُشْرِكِينَ أَنَّ بِهِمْ قُوَّةً، وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُجْهَدِينَ (1)، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ
رَمَلٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَلْ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كُلَّهَا أَمْ لا؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لا يَسْتَلِمُ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِي وَرُكْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ
عَبَّاس قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى وَلَقُوا مِنْهَا شَرًا، فَأَطْلَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّه عَلَى مَا قَالُوهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ رَمَلُوا قَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ؟ هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنَّا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِبْقَاءَ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَلَقَدْ بَدَا لِعُمَرَ أَنْ يَدَعَ الرَّمَلَ بَعْدَمَا انْتَهَتِ الْحِكْمَةُ مِنْهُ، وَمَكَّنَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَرْضِ إِلا أَنَّهُ رَأَى إِبْقَاءَهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْعَهْدِ النَّبِوِيِّ لِتَبْقَى هَذِهِ الصُّورَةُ مَائِلَةٌ لِلأَحْيَالِ بَعْدَهُ، فَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: فِيمَ الرَّمَلاَنُ الْيَوْمَ وَالْكَشْفُ عَنِ الْمَنَاكِبُ وَقَدْ أَطَأَ (ثَبِّتَ اللهُ الإِسْلامَ وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ؟ وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَدَعُ شَيْئًا
كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِي " [رواه أبو داود، باب في الرمل، ر 1889].