الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٥الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَة عَشْرَةَ: وَقْتُ الطَّوَافِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِجَازَتِهِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَمَنْعِهِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى كَرَاهِيَتِهِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَمَنْعِهِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ، وَأَجَازَهُ آخَرُونَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: يُؤَخِّرُ الرُّكُوعَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ.
وَأُصُولُ أَدِلَّتِهِمْ فِي هَذَا رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعِ الصَّلاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَإِبَاحَتِهَا، مَا خَلَا الطُّلُوعَ وَالْغُرُوبَ، فَإِنَّ الآثَارَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى مَنْعِ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الطَّوَافِ، هَلْ يُلْحَقُ بِهَا أَمْ لاَ؟ (1).
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ طَافَ فِي الْوَاجِبِ أَقَلُّ مِنْ سَبْعِ، فَقَالَ عَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ: لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ سَبْعٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَرْجِعُ حَتَّى يُكْمِلَهُ، وَعَلَيْهِ لتأخِيرِهِ دَمُ، وَالأَصَحُ أَنَّهُ لا يُجْزِئُ أَقَلَّ مِنْ سَبْعٍ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَلْيَطَّوَفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ سَبْعًا كَمَا بَيَّنَ عَدَدَ رُكُوعِ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ،
فَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الطَّوَافِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفُرُوعُ مَسَائِلِ الْحَجِّ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّا نَذْكُرُ الْقَوَاعِدَ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(1) الطَّوَافُ وَإِنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ اسْمَ الصَّلاَةِ مَجَازًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَلَاةٍ فِي الْحَقِيقَةِ، كَيْفَ وَقَدْ أَبِيحَ فِيهِ الْكَلامُ وَالصَّلاةُ الْحَقِيقِيَّةُ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامَ الأَدَمِنِينَ، فَلا تَنْسَحِبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا مِنْ مَنْعِهِ فِي الأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ فِيهَا عَنِ الصَّلاَةِ، بَلْ هُوَ جَائِزٌ مُطْلَقًا فِي أَيِّ سَاعَةٍ مِنْ لَيْل أَوْ نَهَارِ، يَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَن الرَّسُولِ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم أَنَّ النَّبِيِّ قَالَ: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْل أَن
نهارٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتَّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ. اهـ مُصَححه.
أَوْ