قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٧١

كِلابُنَا لَسُرِقْنَا، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا نَضَهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)، يَقُولُونَ: لَوْلَا اسْتِوَاءُ الرِّيحِ لَهَلَكْنَا.

وَمِنْهَا: شِرْكُ الرِّيَاءِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يُرِيَ الْعَبْدُ فِعْلَهُ النَّاسَ وَيَتَزَيَّنَ بِهِ إِلَيْهِمْ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ، وَهُوَ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ: الشَّرْكُ أَخْفَى فِي أُمَّتِي مِنْ ذَرَّةٍ سَوْدَاءَ عَلَى صَخْرَةٍ صَمَّاءَ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ) (2)، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو القَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحَا وَلَا يُشْرِكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (3) نَزَلَتْ فِيمَنْ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ

وَيَلْتَمِسُ بِهَا الأَجْرَ وَالثَّنَاءَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

الْقِسْمُ الثَّانِي عَشَرَ

فِي فَرْزِ مَا بَيْنَ كَبَائِرِ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ

وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: مَنْ لَمْ يَفْرِزُ بَيْنَ كَبَائِرِ الشِّرْكِ وَكَبَائِرِ النِّفَاقِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَالشَّاكُ فِي شِرْكِهِ مُشْرِكٌ، قَالُوا: لَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ

(1) الْعَنْكَبوتِ: 66.

(2) [رَوَاهُ الرَّبِيعُ باب الشرك أخفى من دبيب النمل، ر 830، والحاكم، كتاب التفسير، باب تفسير سورة آل عمران، ر 3148].

(3) الْكَهْف: 111.

(4) لا يُرَادُ بِالشِّرْكِ هُنَا الشَّرْكُ الأَكْبَرُ الَّذِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الشِّرْكِ مِنْ إِبَاحَةِ الدَّمِ، وَسَبْيِ الذُرِّيَّةِ، وَاسْتِحْلَالِ الْمَالِ، وَحُرْمَةِ الزَّوْجَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ كَمَا هُوَ اصْطِلاحُ إِنَّاضِيَّةِ الْمَغْرِب - وَمُؤَلِّفُنَا مِنْهُمْ - الشِّرْكُ الأَصْغَرُ) الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ فِي الاعْتِقَادِيَّاتِ، وَهُوَ الشَّرْكُ الْخَفِيُّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "الشِّرْكُ أَخْفَى فِي أُمَّتِي مِنْ ذَرَّةٍ سَوْدَاءَ … " الْحَدِيثِ [سبق تخريجه، ولا تترتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَلاَ مَشَاحَةَ فِي الاصْطِلاح. قَالَ الْمُحَنِّي: صَرِيحُ كَلامِ السُّوَالآتِ حَيْثُ رَتَّبَ الْمَعَاصِي عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهِ: أَنَّ الَّذِي تَجِبُّ مَعْرِفَتُهُ مِنْ كَبَائِرِ الشِّرْكِ بِعُنْوَانِ كَوْنِهِ كَبِيرَةَ شِرْكِ؛ إِنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ بِإِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ؛ أَي الْقَوْلُ بِالتَّعَدُّدِ، وَيَجُوزُ لَهُ الشَّكُ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ كَبَائِرِ الشِّرْكِ حَتَّى يَأْخُذَ أَنَّهَا شِرْكٌ. وَذَلِكَ كَإِنْكَارِ الْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ كُفْرٌ وَكَبِيرَةٌ وَمَعْصِيَةٌ عَلَيْهِ