قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٧٢

ضَلُّوا مِنْ قِبَل فَرْزِ مَا بَيْنَهُمَا، فَزَعَمَتِ الأَزَارِقَهُ أَنَّ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا كَبَائِرُ وَشِرْكُ وَكُفْرٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) فِي أَمْثَالِهِ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقَالَتِ النَّجْدِيَّةُ مِنْهُمْ الْكَبَائِرُ كُلُّهَا شِرْكٌ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا. وَزَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ كَبَائِرَ النِّفَاقِ فِسْقٌ وَضَلاَلٌ وَلَيْسَتْ كُفْرًا وَلَا شِرْكًا، وَقَالَتِ الْمُرْجِنةُ بِالشَّلِّ فِي وَعِيدِ مُرْتَكِبِي كَبَائِرِ النَّفَاقِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: إِنَّ

الْعِقَابُ أَخَذَ أَوْ لَمْ يَأْخُذ، وَأَمَّا أَنَّهُ شِرْكٌ فَحَتَّى يَأْخُذَ". اهـ. نَرَى الْمُصَفَ يَتَشَدَّدُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَقِيدَةِ حِرْصًا عَلَى نَقَاوَتِهَا وَحَمْلاً لِلْمُسْلِمِ عَلَى السَّبِتِ فِيمَا عَسَى أَنْ يَعْتَرِضَهُ مِنْ شَكٍّ لِغُمُوضِ بَعْضٍ صُوَرِهَا لِيَكُونَ فِي إِيمَانِهِ مُقَيَّدًا لا مُقَلَّدًا، بَيْدَ أَنَّ هَذَا التَّدْقِيقَ الْفَلْسَفِي رُبَّمَا صَوَّرَ لَنَا الإِسْلَامَ فِي صُورَةٍ لَا تَتَّفِقُ وَبَسَاطَنَهُ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛ لأننا إِذَا رَجَعْنَا الْقَهْقَرَى إِلَى عَصْرِ النُّبُوَّةِ وَجَدْنَا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم يَكْتَفِي مِنَ الأَعْرَابِ بِظَاهِرِ الإِيمَانِ دُونَ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِفَرْزِ كَبَائِرِ الشِّرْكِ مِنْ كَبَائِرِ النِّفَاقِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اكْتَفَى مِنْ أَجْلَافِ الْعَرَبِ بِالتَّصْدِيقِ وَالإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ تَعَلَّمِ دَلِيلِ [لم أجد من خرجه، قال الغزالي في إحياء علوم الدين: "مشهور في كتب الحديث والسير"، 14/ 1]، وَحَسْبُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ فَيَعْتَبِرُهُ مُسْلِمًا، ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُ دِينَهُ قَالَ الإِمَامُ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَارْجَلَانِيُّ لَهُ فِي الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ [16/ 2]: "وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ شَرَّعَ لِلْوُفُودِ الَّتِي جَاءَتْهُ شَيْئًا سِوَى الْجُمْلَةِ الَّتِي كَانَ يَدْعُو إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا نَطَقَ أَحَدٌ بِالْجُمْلَةِ يَقُولُ لَأَصْحَابِهِ: "فَقَهُوا أَخَاكُمْ وَلَا تَجَاوَزُوا إِلَيْهِ مَسَائِلَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالآدَابِ" [الطبري: تهذيب الآثار، 23/ 3، بلفظ: "فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه، وعلموه القرآن وأطلقوا له أسيره"]، وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ شَرَعَ لأَحَدٍ مِنْ مَسَائِلِ الاعْتِقَادِ شَيْئًا إِلَى آخِرِ مَا أَطَالَ" اهـ. هَذِهِ الْبَسَاطَةُ هِيَ الَّتِي حَبَّبَتْ هَذَا الدِّينَ الْقَيِّمَ إِلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ نَشَأْوا فِي أَحْضَانِ الْوَثَنِيَّةِ، كَانُوا أَغْلَظَ أَكْبَادًا مِنَ الإِبِلِ، فَصَارُوا يَدْخُلُونَ فِيهِ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا مُخْتَارِينَ. وَلَقَدْ لَاحَظَ هَذَا الْمَلْحَظَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا الْمُجْتَهِدِينَ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتُمَ، وَأَبِي، خزرٍ، وَعَمْرُوسِ، وَابْنِ زَرْقُونَ، وَابْنِ مَحْبُوبِ، وَعَزَّانَ بْنِ الصَّفْرِ رَحِمَهُمُ اللهُ، فَقَالُوا إِنَّ مَنْ أَتَى بِالْجُمْلَةِ الَّتِي كَانَ يَدْعُو إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ توْحِيدُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَالْعِبَادِ، هَذَا وَقَدْ سَبَقَ لِلْمُصَنِّفِ نَفْسِهِ أَنِ ارْتَضَى رَأيهِم قَائِلاً: وَهُوَ الأَرْفَقُ بِعَوَامُ الأُمَّةِ، وَالأَلْيقُ بِرَأْفَةِ الرَّبِّ الْكَرِيم ذِي الرَّحْمَةِ، وَالأَشْهَرُ مِنْ دَعْوَةِ نَبِيِّ الأُمَّةِ الدَّاعِي عَوَامَ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ. [وَالْخُلاَصَةُ أَنَّ مَنْ أَتَى بِالْجُمْلَةِ تَمَّ تَوْحِيدُهُ وَوَسِعَهُ جَهْلُ مَا سِوَاهُ إِلَّا إِذَا أَحْدَثَ بِأَنْ أَنْكَرَهَا أَوْ تَفْسِيرَهَا أَوْ جَهِلَهَا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِهَا، أَوْ شَكٍّ فِيهَا، وَاللَّهُ

أَعْلَمُ. اهـ مُصححة. (1) الأَحْزَاب: 36.