الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٨قواعد الإن
القِسْمُ السَّابِعُ فِي فِدْيَةِ الأَذَى
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا، لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ الله: ومن كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْنُ (1)، وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الثَّابِتُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مُحْرِمًا، فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ بِحَلْقِ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أيامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ؛ أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَاكَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَقَ مِنْ ضَرُورَةٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَلَقَ نَاسِيّا، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: الْفِدْيَةُ تَجِبُ عَلَى النَّاسِي وَالْمُتَعَمِّد، وَزَعَمَ أَهْلُ الظَّاهِرِ أَنْ لَا فِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي.
(3)
وَحُجَّةُ الأَوَّلِينَ: أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمُضْطَرُ فَهِيَ عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَر أَوْجَبُ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ (3) الآية، وَلِقَوْلِهِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا قَاسَ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ يُفَرِّقِ الشَّرْعُ فِيهَا بَيْنَ الْخَطَا وَالنِّسْيَانِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(1) البقرة: (196). (1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيُّ: "مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ بِالْحُدَيْبِيةِ وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ فَمْلاً، فَقَالَ: "أَتُؤذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ … الْحَدِيث". وَفِيهِ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الآيَةُ: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ" الآية
(البقرة: 196). (1) الأحزاب: (5).
(1) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.