الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٦يَتَجَاوَرُوا، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لأَنَّ التَّجَاوُرَ يُوجِبُ التَّرَاحُمَ عَلَى الْحُقُوقِ، فَرُبَّمَا
يُؤَدِّي إِلَى الْوَحْشَةِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَة فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الأَوْلاَدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بوالديه الآية (1)، وَقَالَ النَّبِيُّ: "لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ وَيُعْتِقَهُ، وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي عَقْلِ أَنَّهُ لَمَّا تَأَكَّدَ حَقُّ الْقَرَابَةِ وَالْأَرْحَامِ فَأَخُقُهَا وَأَمَسُّهَا الْوَالِدَةُ، فَيَتَضَاعَفُ تَأْكِيدُ الْحَقِّ فِيهَا، وَقَالَ: "بِرُ الْوَالِدَةِ عَلَى الْوَالِدِ ضِعْفَانِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدَةِ أَسْرَعُ إِجَابَةٌ، قِيلَ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هِيَ أَرْحَمُ مِنَ الأَبِ، وَدَعْوَةُ الرَّحِمِ لاَ تَسْقُطُ (3).
وَجُمْلَهُ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ: أَنْ يَبَرَهُمَا أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا، أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا، أَمَّا فِي الْحَيَاةِ فَمَلْزُومٌ طَاعَتُهُمَا وَإِجَابَةُ دَعْوَتِهِمَا، وَخَفْضُ جَنَاحَ الرَّحْمَةِ لَهُمَا، وَتَعَاهُدُهُمَا بِالسَّلام عَلَيْهِمَا، وَالْقِيَامِ بِحَوَائِجِهِمَا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ أَمْرِهِمَا وَرَأْيهِمَا إِلا إِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الرُّشْدُ فِي خِلَافِ رَأْيِهِمَا، وَإِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ أَعَانَهُمَا بِنَفْسِهِ وَوَاسَاهُمَا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَآثَرَهُمَا عَلَى نَفْسِهِ، وَيَتَوَلاهُمَا إِنْ كَانَا أَهْلاً لِلْوِلَايَةِ، وَإِلَّا فَلَا يُظْهِرُ الْبَرَاءَةَ فِي وُجُوهِهِمَا، وَلا يَنْظُرُ شَزَرًا إِلَيْهِمَا، وَيَمْتَيَّلَ أَوَامِرَهُمَا، إِلَّا إِنْ أَمَرَاهُ بِمَعْصِيَةٍ مِنْ تَرْكِ صَلَاةٍ، أَوْ صَوْمٍ، أَوْ تَرْكِ تَعَلُّمِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، وَمَا يَحِلُّ لَهُ مِنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ خِلَافَهُمَا، لَأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي
مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.
(1) الْعَنْكَبوت: (8).
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَةَ.
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ.