قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٧٧

قواعد

الْقِسْمُ الْخَامِسَ عَشَرَ

فِي الْمَنِّ وَالدَّلائِلِ

وَهُمَا أَيْضًا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلِّفِ مَعْرِفَتْهُمَا مَعَ أَوَّلِ بُلُوغِهِ.

أمَّا المَنُ: وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ الإِنْسَانُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ خَلْقَهُ أَطْوَارًا، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمُ النَّعَمَ صِغَارًا وَكِبَارًا مَنَّا وَفَضْلاً، لا وُجُوبًا وَفَرْضًا، بَلْ خَلَقَهُمْ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَتَحْقِيقًا لِمَا سَبَقَ مِنْ إِرَادَتِهِ، وَلِمَا حَقَّ فِي الْأَزَلِ مِنْ كَلِمَاتِهِ، لَا لَافْتِقَارِهِ إِلَيْهِمْ وَحَاجَتِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ وَشَرَعَ لَهُمْ دِينَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ دَعَتْهُ إِلَى تَكْلِيفِهِمْ، وَلَا مِنْ ضَرُورَةٍ قَادَتْهُ إِلَى تَعَبْدِهِمْ، وَإِنَّمَا فَصَدَ نَفْعَهُمْ تَفَضُّلاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ كَمَا تَفَضَّلَ بِمَا لاَ يُحْصَى عَدَدًا مِنْ نِعَمِهِ، بَلِ النِّعْمَةُ فِيمَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ أَعْظَمُ؛ لأَنَّ نَفْعَ مَا سِوَى الْمُتَعَبَّدَاتِ يَخْتَصُّ بِالدُّنْيَا الْعَاجِلَةَ، وَنَفْعَ الْمُتَعَبَّدَاتِ يَشْتَمِلُ عَلَى نَفْعِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَا جَمَعَ نَفْعَ الدَّارَيْنِ كَانَ أَعْظَمَ نِعْمَةً وَأَكْثَرَ تَفَضُّلاً، وَجَعَلَ مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمًا أَمَرَهُمْ بِاعْتِقَادِهِ كَالتَّوْحِيدِ وَوَطَائِفِهِ، وَقِسْمًا أَمَرَهُمْ بِفِعْلِهِ كَالْفَرَائِضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَقِسْمَا أَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٍ لإِحْيَاءِ نُفُوسِهِمْ كَنَهْيِهِ عَنِ الْقَتْلِ وَأَكْلِ الْخَبَائِثِ وَالسَّمُومِ وَشُرْبِ الْخُمُورِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى فَسَادِ الْعَقْلِ وَزَوَالِهِ، وَقِسْمِ لَأَنْتِلافِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ كَنَهْيِهِ عَنِ الْغَصْبِ وَالظُّلْمِ وَالشَّرِّ الْمُفْضِي إِلَى الْقَطِيعَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَقِسْمٍ لِحِفْظِ أَنْسَابِهِمْ وَتَعْظِيمِ مَحَارِمِهِمْ، كَنَهْيِهِ عَنِ الزِّنَا وَنِكَاح ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ فِيمَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ كَنِعْمَتِهِ فِيمَا أَبَاحَهُ لَهُمْ، وَتَفَضَّلُهُ فِيمَا كَفَّهُمْ عَنْهُ كَتَفَضُّلِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ. فَهَلْ يَجِدُ الْعَاقِلُ فِي رَوِيَّتِهِ مَسَاءًا أَنْ يُقَصِّرَ فِيمَا أُمِرَ بِهِ وَهُوَ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ، أَوْ يَرَى فُسْحَةٌ فِي ارْتِكَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَهُوَ تَفَضَّلْ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ يَكُونُ مَنْ أُنْعِمَ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ فَأَهْمَلَهَا مَعَ شِدَّةِ فَاقَتِهِ إِلَيْهَا إِلا مَذْمُومًا فِي الْعَقْلِ مَعَ مَا جَاءَ مِنْ وَعِيدِ الشَّرْعِ؟ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا لأَهْلِ الْعُقُولِ وَالْبَصَائِرِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مُمْتَنٌ عَلَى الْعِبَادِ فِي الدُّنْيَا