قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٧٩

قواعد الإسـ

وَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فِي قَلْبِهِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ ذَنْبًا، وَيَعْتَدِلَانِ أَيْضًا وَلَوْ فِي حَالَةِ عَمَل الْمَعْصِيَةِ، وَبَلَغَنَا أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ. قَالَ لابْنِهِ: "يَا بُنَيَّ كُنْ ذَا قَلْبَيْنِ قَلْبِ تَخَافُ اللَّهَ بِهِ خَوْفًا لَا يُخَالِطُهُ تَقْنِيطُ، وَقَلْبٍ تَرْجُوهُ بِهِ رَجَاءً لا يُخَالِطُهُ تَغْرِيرُ، وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ يَثْبُتَانِ فِي الْقَلْبِ بِزَوَالِ الأَمْنِ وَالإِياسِ مِنْهُ، وَهُمَا سَوْطَانِ زَاجِرَانِ لِلْعِبَادِ، فَالْخَوْفُ زَاجِرٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَرَادِعُ عَنْهَا، وَالرَّجَاءُ دَاعِ إِلَى الطَّاعَةِ وَبَاعِثُ عَلَيْهَا، وَقَدْ قِيلَ بِالرُّحْصَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ مَا لَمْ يَنْعَرِ الْقَلْبُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَإِذَا انْعَرَى مِنَ الْخَوْفِ اطْمَأَنَّ أَوِ انْعَرَى

مِنَ الرَّجَاءِ أَيسَ، فَحِينَئِذٍ يَضِلُّ بِهِ وَيَهْلِكُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ

(Y)11

بِمِيزَانٍ تَرِيصٍ مَا زَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَمَعْنَى تَرِيص: مُحكم. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِذَا احْتُضِرَ الْمُؤْمِنُ فَالرَّجَاءُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَلْيَقُ بِهِ وَأَحَقُّ، كَمَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الله حِينَ احْتُضِرَ أَنَّهُ قَالَ: "مَرْحَبًا بِزَائِرٍ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ، لَا فَرِحَ مَنْ نَدِمَ اللهُمَّ أَمَرْتَنَا أَنْ نَعْدِلَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَالآنَ الرَّجَاءُ فِيكَ أَمْثَلُ (3). وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ فَرِيضَتَانِ غَيْرُ مَحْدُودَتَيْنِ يَثْبُتَانِ فِي الْقَلْبِ بِفَرَائِضَ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ كَبِرُ الآبَاءِ وَالنَّدَمِ عَلَى سَوَالِفِ الْآثَامِ، وَبِجَهَالَةِ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ مِنْ صَغَائِرِهَا وَمَا أَشْبَهَ هَذَا؛ لأَنَّهُ يَخَافُ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي يَكُونُ

(1) وَزَادَ فِي الْقَنَاطِرِ فَقَالَ: "يَا أَبَنَاهُ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا لَهُ قَلْبُ وَاحِدٌ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَوْ شَقَّ قَلْبَهُ لَوَجَدَ فِيهِ نُورَ رَجَاءٍ وَنُورَ خَوْفٍ وَلَوْ وُزِنَا لَمْ يَمِلْ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَهَذَا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ ورجاؤ .... " [الآتي إيراده وتخريجه بعد هذه الفقرة]. [الجيطالي: قناطر الخيرات فصل اعلم أن الأمر كله يرجع إلى أصل واحد وهو خاتمة العمل،

[358/ 3

(2) [لم أجد من خرجه، ذكره البيقهي شعب الإيمان منسوبا إلى مطرف، باب في الرجاء من الله تعالى، ر 1026، الزمخشري: الفائق في غريب الحديث، 1/ 150].

(3) [رواه أبو نعيم: حلية الأولياء، عن معاذ بن جبل، 293/ 1، و عن حذيفة بن اليمان، 1/ 282].