قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٢

قواعد الان

فكرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا حَتَّى الْمَدِينَةِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ". عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

قَالَ مَالِكُ: كَمَا يَجُوزُ أَخْذُ الأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ يَجُوزُ أَخَذُ الأُجْرَةِ عَلَى الْحَجِّ وَالْأَذَانِ، أَمَّا الإِمَامَةُ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ الأُجْرَةُ عَلَيْهَا إِنْ أَفْرَدَهَا وَحْدَهَا، فَإِنْ جَمَعَهَا مَعَ الْأَذَانِ جَازَتِ الْأُجْرَةُ وَكَانَتْ عَلَى الْأَذَانِ وَالْقِيَامِ بِالْمَسْجِدِ لَا عَلَى الصَّلَاةِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجُوزُ الْأَجْرَةُ عَلَى الْحَجِّ وَلَا تَجُوزُ عَلَى الإِمَامَةِ فِي صَلَاةِ الْفَرَائِضِ، هَذَا وَقَدِ استثنى مُتَأَخُرُو الْفُقَهَاءِ بَلْ وَالْمُعَاصِرُونَ مِنْ أَسَائِدَةِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاميَّةِ فِي بَعْضِ الْعَوَاصِم الإِسْلَامِيَّةِ مِنَ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالإِمَامَةَ وَالْأَذَانَ، فَأَجَازُوا أَخُذُ الأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ، وَلَمْ يُجِيزُوهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَجَازُوا ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا بَعْدَ أَنِ انْقَطَعَتِ الصَّلاتُ وَالْعَطَايَا الَّتِي كَانَتْ تُجْرَى عَلَى هَؤُلاَءِ الْمُعَلِّمِينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمُوسِرِينَ وَبَيْتِ الْمَالِ دَفْعًا لِلْحَرَج وَالْمَشَقَّةِ؛ لأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَا بِهِ قِوَامُ حَيَاتِهِمْ هُمْ وَمَنْ يَمُونُونَهُمْ، وَفِي اشْتِغَالِهِمْ بِالْحُصُولِ عَلَيْهِ مِنَ الزَّرَاعَةِ أَوِ التَّجَارَةِ أَوِ الصَّنَاعَةِ إِضَاعَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

وَالشَّرْعِ الشَّرِيفِ بِالْقِرَاضِ حَمَلَتِهِ، فَجَازَ إِعْطَاؤُهُمْ أَجْرًا عَلَى هَذَا التَّعْلِيمِ. أَمَّا أَصْحَابُنَا فَبَعْدَ أَنْ أَقرُوا الْقَاعِدَةَ الْعَامَّةَ "حُرْمَةَ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى الطَّاعَاتِ" اسْتَثْنَوْا مِنْهَا لِلْمَصْلَحَةِ اسْتِحْسَانًا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ وَالْعُلُومِ وَالرُّقْيَا وَالنِّيَابَةَ فِي الْحَجِّ، فَأَجَازُوا أَخَذَ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَبِالْعَكْسِ مَنَعُوا أَخْذَ الأُجْرَةِ عَلَى الأَذَانِ وَالإِمَامَةِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا مِنَ الْأُجْرَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا يُجْرَى عَلَى الأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ أَوْقَافِ الْمُحْسِنِينَ، بَلْ ذَلِكَ مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى

الطَّاعَةِ، كَمَا مَنَعُوا أَخْذَ الأُجْرَةِ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، كَمَا نَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ وَبَيْنَ أَدَائِهَا مَتَى تَعَيَّنَتْ وَخِيفَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى كِثْمَانِهَا ضَبَاعُ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْأَدَاءِ دُونَ التَّحَمُلِ؛ لأَنَّ الأَدَاءَ فَرْضُ عَيْنِ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَهَا – سَوَاءٌ دُعِيَ إِلَيْهَا أَوْ لَمْ يُدْعَ - مَتَى خِيفَ ضَبَاعُ الْحَقِّ، اللهُمَّ إِلَّا إِذَا دُعِيَ لإِقَامَتِهَا وَرَاءَ الْفَرْسَخَيْنِ وَلَمْ يَتَحَمَّلْهَا عَلَى إِقَامَتِهَا وَرَاءَهُمَا، وَإِذَا تَحَمَّلَهَا فَأَبَى مِنْ أَدَائِهَا حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الأَدَاءُ فَضَاعَ الْمَالُ أَوِ النَّفْسُ بِعَدَم أَدَائِهِ ضَمِنهُ، وَإِذَا أَقَامَ الشَّهَادَةَ ثُمَّ احْتَاجَ صَاحِبُهَا إِلَى إِعَادَةِ إِقَامَتِهَا فَلَهُ طَلَبُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ لِزَوَالِ الْفَرْضِ عَنْهُ بِالإِقَامَةِ الأُولَى إِنْ لَمْ يَكُنِ الْقُصُورُ وَالتَّقْصِيرُ مِنْهُ فِي إِقَامَتِهِ الْأُولَى، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُ الأُجْرَةَ عَلَى إِعَادَتِهَا مَا لَمْ يُؤَدِّهَا كَمَا تَحَمَلَهَا.

وَبَعْدُ فَإِنَّ تَقْسِيمَ الْمُصَنِّفِ الطَّاعَاتِ إِلَى قَوْلِيَّةٍ يَحْرُمُ أَخَذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهَا، وَإِلَى فِعْلِيَّةٍ يَجُوزُ أَخُذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهَا لا يَكُونُ مُطَرِدًا؛ لأَنَّا نَجِدُ مِنَ الطَّاعَاتِ الْقَوْلِيَّةِ مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرَةِ عَلَيْهِ، وَنَجِدُ مِنَ الْفِعْلِيَّةِ مَا لاَ يَجُوزُ أَخُذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ الأَوْلَى اعْتِبَارَ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ وَضَبْطَ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ جُزْيَّاتِهَا، لِذَلِكَ بَسَطْتُ الْقَوْلَ نَوْعًا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي كَثرَ فِيهَا الْخَوْضُ مُنْذُ الْقَدِيمِ وَلَا يَزَالُ،