الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٤وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَدَي ـنِ: فَإِنَّهُ إِذَا تَابَ وَرَجَعَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ،
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ دُخُولِهِ فِي مَذْهَبِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَجَدْتُ فِي أَثَرِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ مَنْ يَقُولُ: وَعَنْ رَجُلٍ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: أَنَا مِنْكُمْ، وَلِي وَلِيُّكُمْ، وَعَدُوِّي عَدُوُّكُمْ، وَلا يَعْرِفُ شَرِيعَةُ الإِسْلامِ، قَالَ: إِذَا أَعْطَاهُمُ الْجُمْلَةَ الَّتِي لا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهَا فَهُوَ مِنْهُمْ. وَوَجَدْتُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَحْبُوبِ بْنِ الرحيل (3) يَقُولُ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ دَعَوْا بِسْطَامَ أَبَا النَّظَرِ (3) إِلَى دَعْوَتِهِمْ وَكَانَ صُفْرِيَّا، وَكَانَ أَبُو النَّظَرِ يَقُولُ: لَمَّا دَعَوْنِي فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ نَدْعُوكَ إِلَى وَلَآيَةِ مَنْ قَدْ عَلِمْتَهُ يَقُولُ بِالْحَقِّ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَنَدْعُوكَ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتَهُ يَقُولُ بِخِلَافِ الْحَقِّ وَيَعْمَلُ بِهِ، وَنَدْعُوكَ إِلَى الْوُقُوفِ عَمَّا لَمْ تَعْلَمْ حَتَّى تَعْلَمَ. قَالَ: وَذَلِكَ فِي الْكِتْمَانِ. قَالَ أَبُو النَّظَرِ: فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِمْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا اسْتُشْهِدَ الْجُلَنْدَى بِحِلْفَارَ وَهِيَ [قريةُ الصّيرِ فِي حَرْبِ خَازِمِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْخُرَاسَانِيِّ عَامِلِ السَّفَاحِ سَنَةَ 134 هـ وَكَانَتْ مُدَّهُ إِمَامَتِهِ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرَ. يُحْكَى أَنَّ خَازِمًا هَذَا لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قِيلَ لَهُ: أَبْشِرْ، فَقَدْ فُتِحَ عَلَى يَدَيْكَ، فَقَالَ: غَرَّرْتُمُونَا فِي الْحَيَاةِ، وَتُغَرُرُونَا فِي الْمَمَاتِ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ فَكَيْفَ بِقَتْلِ الشَّيْخِ الْعُمَانِيِّ. هَذَا وَبَعْدَ أَنِ اسْتُشْهِدَ الْجُلَنْدَى اسْتَوْلَى الْجَبَابِرَةُ عَلَى عُمَانَ، وَلَمْ تَنْتَعِشْ مِنْ عَشْرَتِهَا إِلَّا بَعْدَ مَقْدِم حَمَلَةِ الْعِلْمِ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَأَعَادُوا عَهْدَ الإِمَامَةِ، وَتَنَفَّسَ الصَّعَدَاءَ شَعْبُ عُمَانَ الَّذِي لَا تَحْلُو لَهُ الْحَيَاةُ إِلَّا فِي حَفْلِ الدِّينِ، وَلَا يَهْنَأُ لَهُ عَيْشُ إِلَّا تَحْتَ ظِلالِ الْعَدْلِ وَالنِّظَامِ. اهـ مُصَححه.
(1) الأولى: وَلِيُّكُمْ وَلِنِّي، وَعَدُوكُمْ عَدُوِّي. (2) هُوَ أَبُو سُفْيَانَ مَحْبُوبُ بْنُ الرَّحِيل تَابِعِي جَلِيلٌ وَمُحَدِّثْ ثِقَةٌ، لِذَلِكَ نَجِدُ الإِمَامَ أَبَا يَعْقُوبَ مُرَتِّبَ مُسْتَدِ الرّبيع يَضُمُّ إِلَيْهِ رِوَايَاتِ.، عَنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ إِلَى ذَلِكَ أَبُ أُسرَةٍ عَرِيقَةٍ فِي وَالتَّقْوَى، حَسْبُكَ أَنَّهُ هُوَ وَابْنَهُ مُحَمَّدَ بْنَ. وَحَفِيدَهُ بَشِيرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْبُوبِ مِنْ أَعْلَامٍ الإِسْلَامِ الَّذِينَ بَلَغُوا دَرَجَةَ الاجْتِهَادِ، وَتَرَكُوا فِي الْمَكْتَبَةِ الإِسْلامِيَّةِ آثَارًا خَالِدَةً لَا سِيمَا الْحَفِيدَ، فَقَدْ تَرَكَ مُؤَلَّفَاتٍ جَلِيلَةً مِنْهَا كِتَابُهُ الْمَشْهُورُ الْخِزَانَةُ فِي سَبْعِينَ جُزْءًا وَكِتَابُ الْبُسْتَانِ فِي
الأُصُولِ، وَكِتَابُ الرَّضْفِ فِي التَّوْحِيدِ، وَحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَكِتَابُ الْمُحَارَبَةِ، إِلَى كَثِيرٍ غَيْرَهَا. (3) هُوَ أَبُو النَّظَرِ بِسْطَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ زُهَيْرِ الضَّبِّي مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجَالِسَ الدَّعْوَةِ وَأَوَّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا، وَكَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ صَفْرِيَّا مِنْ أَصْحَابِ شَبِيبٍ، فَفَرَّ مِنَ الْحَجَّاجِ وَنَزَلَ الْبَصْرَةَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: نَزَلَ عِندَنَا فِي دَارِنَا فِي الأَزْدِ، وَكَانَ اسْمُهُ مصقلَةٌ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ بِسْطَامٌ إِلَخ، فَدَعَاهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَجَابَ، قَالُوا لَهُ حِينَ دَعَوْهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: نَدْعُوكَ إِلَى وِلايَةِ مَنْ عَلِمْتَ … إلخ. وَقَدْ عَدَّهُ السَّمَاخِيُّ فِي طَبَقَةِ الرَّبِيعِ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ، أَي فِي الْخَمْسِينَ الْأُولَى لِلْقَرْنِ الثَّانِي، وَاللَّهُ
أَعْلَمُ. اهـ مصححه.