أشعة من الفقه الإسلامي (3): الفقه والتشريع مدخلاً وتاريخاً مهني بن عمر التيواجني

أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

مقدورنا أن نرجع آراء الإمام جابر الفقهية على سبيل المثال إلى أحد هذه الأقسام، إذ أن فقهاء القرن الأول في أغلب أحوالهم كانوا يكتفون بالتصريح بحكم المسألة المعروضة من غير ذكر الدليل. وفي أخريات أيام أبي عبيدة بدأ مصطلح القياس في الظهور، وأمسى موضوعاً للجدل بين المجتهدين، ومع ذلك لا نعرف إن كان أبو عبيدة من القائسين في استخراج حكم الحوادث المسكوت عنها أم لا، في حين أنا نعلم أنه يقول برأيه، ولكن لا نعرف طبيعة هذا الرأي. وليس غريباً أن تكون بعض أقواله الفقهية نتيجة القياس، ولكنه قياس في أجلى صوره، قائم على علة منصوص عليها، بعيد كل البعد عن التعقيد الذي عرف فيما بعد عند القائلين بالقياس، من ذلك اختلاف الفقهاء في ضم الذهب إلى الفضة والفضة إلى الذهب ليكتمل بهما النصاب إذا عجز كل واحد منهما عن النصاب، قال أصحابنا: يضم كل واحد إلى صاحبه ويستكمل بهما النصاب، وذلك أنهما عندهم بمنزلة شيء واحد لاتفاقهما في المنفعة كما يقول الفقهاء أنهما رؤوس الأموال وقيمة المتلفات وعليهما قاس أبو عبيدة رحمه الله ضم الحنطة إلى الشعير في استكمال النصاب». وهذا الرأي قد رجع إليه أبو عبيدة إذ لم يكن يقول به قبل ذلك، فقد ذكر الشماخي نفسه أن ضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر هو آخر كلام أبي عبيدة وكان أول قوله: إنه لازكاة في البر ولا في الشعير إلا ما بلغ ثلاثمائة صاع، ولا يضم بعضه إلى بعض، ثم رجع عن ذلك فقاسه بالذهب والفضة، يبد وأن في انتقال أبي عبيدة من رأي إلى آخر في الفروع دليلاً على تغير موقفه من القياس، فقد أجازه بعد أن منع إستعماله في أول الأمر إلا أنه لم يكن مغالياً في استخدامه له، وقد سلك الربيع بن حبيب منهج شيخه واتبعه في ذلك جماعة، عرفوا بالتزامهم الشديد بالأثر، وبموقفهم المتحرز من زميليهم

-1.9_