أشعة من الفقه الإسلامي (3): الفقه والتشريع مدخلاً وتاريخاً مهني بن عمر التيواجني

أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

وسد الذرائع والعرف … ويكفي أن نذكر هنا بأن ابن بركة ألف رسالة سماها التعارف، تقريرا منه لمبدإ الرأي، وبيّن فيها أسس العرف المعتبر، والعرف الذي لا اعتبار له، ثم إننا نجد الفقهاء عند تعرضهم للقضايا المحلية، مثل أحكام الأفلاج والأموال والطرقات … يسلكون في استنباط الأحكام منهج الرأي الذي يراعي بالدرجة الأولى المصلحة، وفق معايير توحي بها روح الشريعة ونصوصها التي تقوم على دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأن دفع المضار مقدم على جلب المصالح وأن لا ضرر ولا ضرار، وأن الضرر يزال، وأن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي الدليل المانع، وأن المصلحة الجماعية مقدمة على مصلحة الفرد عند التعارض … وبالجملة فإن منهجهم

كان ينص على ربط الحكم الشرعي بالفلسفة العامة للتشريع ما أمكن. ومما يستوقف القارئ للمؤلفات العمانية، وخاصة «الجوامع»، عدم اهتمام أصحابها بمقدمات يعرفون فيها كتبهم، ويبينون منهجهم أو مناهجهم، وفي أحيان قليلة يصوغون ديباجة قصيرة تضم البسملة والحمدلة والصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم)، وسؤال الله التوفيق والتسديد. ولعل مما يفسر هذا الغياب هو أن صاحب الكتاب لم يجمع ما كتب، وليس هو الذي أعطى كتابه الصورة النهائية التي وصلنا عليها، وإنما كان ذلك من فعل تلاميذه ومن جاء بعدهم من العلماء الذين قاموا بجمع ما وجدوه مدونا على غير نظام، مما يفسر التقديم والتأخير في الفصول والمسائل بل والتكرار أيضا، إلا أن من جاء بعد مرحلة «الجوامع» التزم إلى درجة ما بالتنظيم والترتيب، وهذا المنهج ملاحظ بيسر عند الشيخ سلمة بن مسلم في الضياء، بل نجده قبل ذلك عند أبي الحسن البسيوي في مختصره وجامعه الذي نجا من الاضطراب، ويظهر هذا التطور المنهجي في بيان الشرع والمصنف والمصنفات اللاحقة.

- ITV