أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ١٤٧سبيل المثال أن ما كتبه ابن بركة في أصول الفقه قد نقل بتمامه تقريبا في کتاب بيان الشرع) ثم في المصنف) وغيرهما، وللمقارنة فإنه إذا كان الفقيه في القرنين الثالث والرابع ينهج مسلك إيراد الاقوال المتعددة لبيان اختلاف الاجتهاد، فإنه في القرن الخامس وما بعده أصبح ينسخ ما جاء في كتب المتقدمين الفقرات الطوال، إلا أن أهمية هذا الاتجاه تكمن في كون أصحابه قد حافظوا على كثير من المؤلفات العمانية التي أتت عليها عوادي الزمن، أيام الفتن والحروب. ونحن حين أبرزنا طابع النسخ في مؤلفات هذا العصر لا نعني أبدا به ذلك النسخ الجامد إن صح التعبير، الخالي من الجهد العقلي إذ أن صاحب «الضياء» وصاحب بيان الشرع» وغيرهما قد توسعوا في مصنفاتهم بما يدل على سعة اطلاعهم واستفادتهم مما قرؤوه ونقلوه. فقد جمعوا ثم حللوا ودرسوا ونقدوا وأكملوا النقائص التي لاحظوها في آثار متقدميهم ووازنوا بين الأقوال والاجتهادات وقدموا لنا ما ارتأوه صوابا، ولم تنطفئ فيهم روح الاستقلالية والاجتهاد. وهم وإن كانوا ميالين كثيرا إلى رأي الجمهور، أو منحازين إلى إتفاق الأصحاب فإننا نجد الواحد منهم يختار قولا مرجوحا، أو يستحسن رأيا مخالفا به قول بعض السلف، أو يتبنى حكما قال به البعض دون البعض، ويصوغ ذلك بالعبارات المعهودة من قبيل: والنظر يوجب كذا، وهذا رأينا، وهذا هو الصحيح، قال أصحابنا؛ وقول أبي معاوية في هذا عندي أنظر والله أعلم؛ ويعبر أحدهم عن وقوفه عند النص إذا تعارض النقل والعقل بالعبارة المشهورة: لاحظ للنظر مع الإجماع، لاحظ للنظر مع كتاب الله. ومما يلاحظ في هذه المطولات الغياب النسبي للتنظيم وترتيب المسائل
فصاحب الكتاب لم يكن يهتم بذلك كل الاهتمام. فلكثرة المسائل تجده
-1 {V_