أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ١٨٢القرن الثاني الهجري قامت المحاولات الأولى لبناء كيان سياسي إباضي. ففي سنة 130 هـ تغلب عبد الجبار بن قيس المرادي والحارث بن تليد على طرابلس. وسرعان ما سقطت هذه المحاولة إلا أنها كانت تجربة سياسية وعسكرية لإباضية شمال أفريقيا الذين تزايد عددهم وقويت شوكتهم وشعروا بالقوة، مما دفعهم إلى محاولات أخرى ففي سنة 140 هـ استطاع أحد «حملة العلم» وهو الأمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني أن يقيم الدولة في طرابلس، ثم امتدت إلى القيروان إلا أنها لم تعمر طويلا إذ نهزم ابو الخطاب سنة 144 هـ. وفي سنة 160 هـ تم النصر للإباضية بإقامة الإمامة الرستمية في تيهرت لتبدأ مرحلة جديدة من حياة الإباضية. ومن حسن حظ هؤلاء أن الدولة قامت هذه المرة أيضاً على يد واحد من حملة العلم هو عبد الرحمن بن رستم، فسر القرآن الكريم، وبرع في الفقه مع زميليه أبي درار الغدامسي، وأبي داود القبلي. وأسند إليه أبو الخطاب أثناء إمامته ولاية القيروان.
لقد وفرت الإمامة الرستمية الظروف الملائمة لحياة فكرية متطورة بعد مرحلة من التضحية العسكرية استغرقت قرابة ستين سنة، بحيث لم يسمح بظهور حركة علمية قوية، ولم يحتفظ لنا التاريخ بشيء من انتاج هذا العصر المبكر إلا ما نقل في كتب السير من أراء فقهية وأحكام عابرة، لأن التدوين في الآفاق لا يزال في بدايته، وكان الإعتماد على النقل الشفاهي هو المعمول به نظرا لانعدام الاستقرار السياسي وضعف اللغة العربية أمام اللغة البربرية، واستمرار النشاط العسكري، والتنافس بين القوى السياسية على أفريقية. ذلك كله، فقد ظل الفكر الإباضي بفضل رجال الدعوة يترسخ شيئاً فشيئاً طيلة القرن الثاني للهجرة بالتعاون مع مدرسة البصرة. فقد كانت أغلب الفتاوى تصدر في المشرق وتنقل إلى المغرب، بفضل طرق الإتصال
??
- MAY-