أشعة من الفقه الإسلامي (3): الفقه والتشريع مدخلاً وتاريخاً مهني بن عمر التيواجني

أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع

الجزء ١ · صفحة ١٨٤

وبعد محاولات يائسة لإعادة الإمامة، عكف الإباضية على إقامة مجتمع

الكتمان، تحت قيادة نظام جديد يتولى العلماء تسييره وهو ما يسمى في مصطلح الإباضية بنظام العزابة الذي مكن الإباضية من البقاء في ظروف مغرب الفتن والإضطراب. لقد هيأ هذا النظام ظروفاً ملائمة لنشاط فكري امتد قرونا، وقد حظي الفقه باهتمام المشايخ لارتباطه بحاجات الناس وبحثهم عن حكم الله فيما يفعلون ويذرون. وقد اتخذ التأليف الفقهي أشكالاً عدة من حيث المستوى والمنهج وخصائص كل عصر كما وكيف. وقد كان ذلك نتيجة لشعور الإباضية، بعد فقدان إمامة الظهور أن بقاءهم رهين بتكوين الجماعة تكوينا فكرياً متكاملا عقائديا وفقهيا، بصورة لا يحتاجون معها إلى غيرهم. فانكبوا على البحث والتدوين وانشأوا المدارس ومولوها، وبعثوا نظام المدرسة المتنقلة اطلقوا عليها نظام «الحلقة»، كلف بتعهد الإباضية بالتعليم والتوعية أينما كانوا، من فحص القيروان إلى جبال بني مصعب وقصطالية وجبال دمر ونفوسة والساحل. لم ينغلق الإباضية على أنفسهم ولم يكتفوا بما عندهم من فقه إذ أن الإنغلاق مخالف لطبيعة الفكر الإباضي نفسه بل كان العلماء على اتصال بالمدارس غير الإباضية في القيروان، ومن بعدها تونس، كلما سمح لهم بذلك خاصة فيما يتعلق باللغة العربية. وكان المشايخ يدرسون كل موجود على الساحة الفكرية بقطع النظر عن مذهب صاحب الكتاب باستثناء بعض الأوقات، انكمش فيها الفقهاء لأسباب سياسية وردود أفعال أرادوا بها إثبات وجودهم وحماية أنفسهم من الذوبان، ولكن سرعان ما يعودون إلى الوضع الصحيح الذي يتماشى مع روح مدرسة البصرة الأولى، وما كان يجري في مساجد تاهرت ومدارسها من تنافس علمي، بين المذاهب المختلفة. وقد رأينا كيف أن

— 1 AE _