أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ١٩٤خصوصا، ووفرة في الدواوين وانتشار المكتبات حقيقة ثابتة إلى جانب تقدم أساليب الكتابة ومناهج التأليف، من حيث التبويب وتقسيم المسائل والتدرج في عرضها. فنظرة عابرة على فهرس كتاب «الوضع» تؤكدلنا هذه الملاحظات. وفي ذلك كله دليل على تقدم حركة التأليف نفسها عمقا ووفرة؛ وأن الشيخ أبا زكريا قد استفاد من جهود السابقين وأصلها. لقد ظل الفقه الإباضي المغربي في مجمله، حتى أواخر القرن السادس فقها مذهبيا صرفا، يعتمد فيه أساسا على الأصول التشريعية التي أقرها علماء المذهب وتضمنتها مؤلفاتهم الفقهية، يأخذ فيها اللاحق عن السابق فيزيد وينقص. وخلافا لما كان عليه فقهاء المشرق الذين اعتمدوا على المقارنة من وقت مبكر، فإن فقهاء المغرب الإسلامي اختاروا المذهبية أساسا للعمل، وهو بلاشك، اختيار له أسبابه الوجيهة المتمثلة في شعور علماء المذهب بذاتيتهم الفكرية، وإثبات وجودهم كجماعة لها كيانها الفكري المستقل، في إطار المجتمع الإسلامي الكبير. ولاشك أن ذلك كان نتيجة للوضع السياسي الذي كان يعيشه أتباع المذهب فقد ظلوا في نظر الولاة والحكام، بإيحاء من الفقهاء ورجال العلم، جماعة غير مرغوب فيها، لأنها من الخوارج». فهذه العوامل مجتمعة، جعلت أهل الحل والعقد من الإباضية، يقفون موقف المتشدد من كل من يخرج عن الإطار العام للمذهب فهو في نظرهم الحصن الذي يحميهم من الذوبان.
فقد كانوا يؤمنون بأن العلاقة بين الذوبان الفكري والسياسي جد وثيقة. في أواخر القرن السادس، وبداية السابع، ظهر الفقيه الأصولي أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي، ليخرج عن ذلك المألوف ويحطم الحواجز التي أقامتها الجماعة منذ سقوط الإمامة الرستمية (290 هـ) ويعتبر عمله هذا مغامرة كلفته الكثير. فقد وقف في وجهه العزابة، فتبرؤوا منه وحكموا
_192_