أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ١٩٥عليه بالهجران. وقد ظل على هذه الحالة عشر سنين. ورغم هذه المعاناة الشديدة أثبت ابن خلفون لمن جاء بعده أن منهجه كان سليما، وأن الرجوع إلى الأصول هو أساس الاجتهاد. فالسابقون عنده، قد كتبوا لزمانهم، وهو غير الزمان الذي عاش فيه ابن خلفون ومعاصروه الذين حكموا عليه بالبراءة. لقد كان موقف ابن خلفون مقنعا، مما جعل معاصره الدرجيني، يعترف بالحقيقة، ويقول فيه أنه إن درس فلقن أحسن تلقين، وإن أفتى فمغترف من أعذب معين، لا يخشى منه تعسف، ولا يدرك ألفاظه تكلف، كثير الإطلاع علي مسائل الإتفاق والإختلاف، وهو كثير الدفاع عما قيده فقهاء الأسلاف وله تعليقات عجيبة وأجوبة مقنعة مصيبة، محافظ على بيضة الدين، محصن للمذهب أمنع تحصين». لم يؤثر عن أبي يعقوب أنه كتب كتبا خاصة مفصلة في أي من الفنون التي اشتهر باتساع، علمه وتمكنه فيها، ومع ذلك لم نحرم من مجهود هذا الرجل، فقد ترك لنا رسالتين فقهيتين الأولى في «التشديد والنهي عن ترك الجواري»، والثانية إجابات عن أسئلة شتى وجهت إليه بين ما في جميعها من أقاويل العلماء» واستقصى الخلاف فيها. والرسالة الأولى وجهها ابن خلفون إلى أهل نفوسة، وأما بالنسبة للرسالة الثانية، فإنا لم نجد دليلا واضحاً على أن المؤلف، قد توجه بها إلى أهل الجبل، إلا صيغة الظن التي أوردها الشماخي. اخترنا لدراسة فقه ابن خلفون، الرسالة الثانية والأظهر أن موضوعها هو بيان آراء الفقهاء ومذاهبهم في عدد من المسائل الخلافية المشهورة، ولعلها جاءت لتحسم نوعاً من الصراع أو النقاش الذي يواجه تلاميذ الفقه الإباضي من زملائهم وجيرانهم من أصحاب المذاهب الأخرى، وقد تضمنت بالإضافة إلى
ذلك لمحة موجزة في أصول الفقه، ختم بها المؤلف رسالته ..
_190_