أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٢١٣اللذين يتوصل بهما إلى وضع الأشياء في مواضعها، ويتعذر عليهم الوصول إلى استباط الأحكام من أدلتها إلا بعد معرفة اصطلاحات الفن، وممارسة قواعده، وضبط علله وقوادحه إجمالا وتفصيلاً … » ونتيجة لكل ذلك اضطر الفقهاء إلى تدوين أصول الفقه.
إننا لا نعرف شيئا عن أول كتابة في أصول الفقه الإباضي، ولا عن تاريخها، وأن أقدم نص وصلنا في ذلك هو ما جاء من مسائل أصولية في جامع ابن بركة (ق 3 - 4). وهذا يجعلنا نتساءل هل أن هذا الكتاب هو حقا أول المدونات الأصولية في المذهب الإباضي؟ وبذلك يكون قد تأخر التأليف، في هذا الفن قرنا كاملا بالنسبة لما عند الآخرين إنني أميل إلى الإجابة بالنفي،
فجامع ابن بركة لم يكن أول مؤلف إباضي في أصول الفقه لأسباب عدة: 1 ـ مستوى الكتاب من حيث الشكل والمضمون مستوى عال لا يتناسب مع بداية التأليف. كما أنه تعرض لأغلب المسائل الأصولية مما يوحي
بأن ابن بركة قد استفاد من مجهود مَنْ سبقه من الفقهاء الأصوليين. 2 ـ قد أشار ابن بركة نفسه إلى أنه اعتمد في استنباط الأحكام على ما ذهب إليه شيوخنا والأشبه بأصول أئمتنا». ففي هذا الكلام ما يوحي
-
بوجود أصول مدونة اتفقوا على الرجوع إليها في استنباط الأحكام. 3 - عدم احتمال أن يكون صاحب الجامع قد استعار هذه المباحث من غير كتب المذهب لاعتبارات عدة أهمها نفسية. فهو كثيرا ما يشير إلى استقلالية المذهب في التفكير والبحث، ويرد كل ما يوهم بالتبعية التي قد يقع فيها بعضهم إلا أن هذا الإستنتاج لا يعني بالضرورة عدم استفادته من نتائج أعمال الآخرين فإن ذلك حقيقة يفرضها تطور العلوم بسبب الاحتكاك الفكري بالغير.
- 213